على الطريق الطويل بين بغداد ودمشق

تم نشره في السبت 29 تموز / يوليو 2017. 12:07 صباحاً

لم يكن قد انتهى تماما. كان العام 2002 يلفظ أنفاسه الأخيرة حين دلفنا في حافلة تجمع غريبين لا توحدهم سوى هواجسهم الكثيرة.
نغادر بغداد ونحن على وشك أن نودع عاما مليئا بالتناقضات، ولكننا، وعلى غير عادة الشرقيين، لم يكن يملؤنا التفاؤل؛ كنا محبطين ومهزومين ومليئين بالشكوك التي تأكل دواخلنا.
في المقعد المجاور كانت التونسية فتحية الهاشمي ترمي بجسد منهك، وهي تحاول جاهدة أن تخفي دموعا غزيرة تدفقت من عينيها. أسلمت للطريق مقاليد أمرها، واختارت أن لا تعد الهواجس التي تنخر، كما السرطان، غلاف الضمير الهشّ، فرمت أوجاعها كلها على كرسيّ حافلة لا ترى سوى طريق واحد.
فاطمة بن فضيلة، كانت صامتة، على غير عادتها، ترسل عينيها للبعيد في عتمة لا تخبر عن شيء. كانت تمنّي النفس برحلة ترى فيها بغداد الجميلة التي انسابت على أربع ضفاف لدجلة والفرات. لم تكن تتوقع أن يتسرب الحزن في كل زاوية من رحلتها. رأت وجوها عراقية تنتظر هزيمة أخرى، وربما فاجعة أخرى تنضاف إلى قائمة الفواجع التي اختبرتها تلك الجغرافيا منذ كربلاء الحسين.
محمد الهادي الجزيري لم يكن يعرف كيف يرتّب قلقه. كان يردد بلا توقف: "الأمة بخير". غير أنه توقف عن ترديدها بعد مئات الكيلومترات، واختار أن يغني "عمّي يا بياع الورد". لم يكن أداؤه جميلا، إلا أن آخرين مرتبكين قرروا أن ينضموا إليه في غنائه الغريب الذي بدا أشبه بالأنين، خصوصا صالحة التي بدت أقرب إلى الإرستقراطية. كانت تبدو مختلفة عمن حولها من كائنات فوضوية. ذهبت مجاميع الباص في الغناء إلى أقصى حدوده، وأشعلوا المقاعد الخلفية بنحيب غامض.
والبرد في الخارج لا يبوح بشيء. ترى كيف هي بغداد بعد أن تركناها في الحافلة التي انطلقت من كرّادة!!
أين هو رعد مطشر الذي لم يستطع أن يرمي علينا تحية الوداع، فأطلق ساقيه في قلب الشارع الطويل من غير أن ينظر خلفه!!
كأنما كان يدري أنها المرة الأخيرة التي سيتسنى لنا فيها؛ هو ونحن، أن نطالع وجوه بعضنا بعضا، وأن نلقي تحيات خجلى على بعضنا، وأن نتلعثم بالتعبير عن الشوق والحب والصداقة.
الحافلة تنهب الأرض، كأنما تفرّ من قدر غامض تخشاه كما تخشى جهنم. لم نكن ندرك وقتها أن الحديد يستشعر المصائر المظلمة، وأنه كان أجدر بنا أن نصيغ وداعا آخر لمدينة قد لا نراها مرة أخرى.
الشبابيك المطفأة بالقلق، كانت تحجب رمالا كثيرة امتدت بين هلالات بغداد ودمشق.. وعمان. في غمرة القلق الإنساني، كان يشعر برغبة غامضة في أن يعانق أحدا ما، أن يبكي على كتف غريب، ويلوك اللوعة والاغتراب كأي جائع يحاول أن يأوي إلى رغيف خبز ساخن.
غير أن الجارة تقدم نفسها كابنة العم الغريبة التي وجدت عائلتها بعد طول ضياع، وهو لا يريد لصورته أن تهتز لدى "العائلة الجديدة" التي لم يعرفها من قبل. كان يريد حضنا كاملا يلطخه بدموعه وهو يرى المدينة تبتعد بأضوائها القليلة وساهريها الحزينين، وهم يترقبون مستقبلا غامضا لا يعلمون منه شيئا.
العرق البارد الذي بدأ يتصبب على جسده بغزارة، لم يخبره أن "السّكّري" حل ضيفا على جسده من غير موعد مسبق. سيحتاج إلى ثلاثة أسابيع، على الأقل، ليكتشف تلك الحقيقة المحزنة. وسوف يحتاج إلى "إميريل" و"غلوكوفاج" ليعتاش مع هذه الحقيقة. لكنّه سيحتاج إلى "أقراص" أقل وهجا لكي يخفف من آثار الكآبة.
كان ذلك تماما في المنطقة التي تحتضن الحدود العراقية السورية. لم يدرك، وقتها، أن تلك في البقعة بالذات سوف "تزدهر" بعد عقد من الزمن بـ"خلافة" دموية تأكل كل شيء في طريقها، وأن لعنة بغداد سوف تطال دولا ومدنا عديدة.
ندلف "القائم"، ومنه إلى "البوكمال".. ثم "دير الزور".. لتلوح من بعيد أضواء خجولة لـ"الرقة". كانت الأسماء أقل وهجا منها الآن، ولم تكن تعرفت بعد على لعنة تجار الدين الذين أرادوها أنهارا من دماء.
العرق البارد يجعله غير قادر على التفكير أو التركيز. كان ذاهلا عما حوله، حين عدلت فتحية من جلستها، لتكتشف الكم الهائل من العرق الذي يغزو جسد الجار. لا تسأل عن شيء، ولا تطلب إذنا، بل تسارع إلى سحب مناديلها الورقية، وتنهمك في مسح العرق عن جبهة جارها ورأسه.
حين بدأنا بعبور شوارع دمشق، كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحا. الشوارع بحيرات كبيرة من مياه المطر.. غير أن حزنا مزمنا استقر في القلب، ولم يغادره أبدا.
بعد كل هذه السنوات، يعود بالذاكرة إلى تلك البقعة، ويستحضر ما تبقى من صور لها. لا شيء يبقى على حاله. لا شيء يبقى سوى الأحزان والكآبة.. وذكريات تزيد من كلتيهما.

التعليق