د.باسم الطويسي

الأردن والقدس: الجديد والقديم

تم نشره في الجمعة 28 تموز / يوليو 2017. 11:06 مـساءً

أصبج من الواضح ان اسرائيل تنفذ مصفوفة متوالية من الأزمات المتتابعة حول الاماكن الدينية في القدس الشرقية وتحديدا المسجد الاقصى، وليس من المتوقع ابدا ان تكون ازمة البوابات الالكترونية آخر الأزمات بل ستكون استمرارا لنهج من المتوقع ان يتصاعد ويأخذ مداه خلال السنوات الثلات القادمة بهدف تحقيق التقسيم الزماني والمكاني للاقصى، وفي كل هذه الازمات يجد الأردن نفسه وحيدا في مواجهة التحدي الاسرائيلي وسط مساحة محدودة للمناورة وضعف عربي غير مسبوق وتراجع واضح في التنسيق الاردني الفلسطيني الرسمي اتضح في موقف السلطة الوطنية من ملف كاميرات الاقصى العام الماضي الذي سبب حرجا للسياسة الأردنية وتكرر في ملف الكاميرات الراهن.
يحدث ذلك مع ازدياد قوة وحجم التيار السياسي سواء في الكنيست الاسرائيلي او في المؤسسات السياسية والدينية الاسرائيلية بسحب الولاية الدينية للاماكن الدينية من الأردن وهو ما حدث قبل عامين حينما عمد نائب رئيس الكنيست الى اقتراح قانون لسحب الولاية الاردنية عن المسجد الاقصى واستبدالها بإدارة اسرائيلية كاملة.
الأردن مطالب بمراجعة سياسية وإعلامية وثقافية لخطابه حول المدينة المقدسة حتى لا يصحو في يوم على وقائع صادمة او يكتشف ان مياها تجري من تحت اسوار المدينة دون ان يأخذ خبرا او علما من أحد. قد يحدث ذلك في الوقت الذي تعيش فيه القضية الفلسطينية اضعف حالاتها فيما تتراجع مكانة الدفاع عن القدس في الخطاب السياسي للعالم الاسلامي المنقسم بصراعاته كما هو الحال في تعاظم المخاطر التي تهدد الهوية الثقافية للمدينة والهجمة غير المسبوقة من قبل اليهود المتطرفين الذين اصبحوا جزءا من السلطة في تل ابيب.
 لقد تطور الخطاب السياسي الأردني تجاه القدس وفق محددات مراحل الصراع والتسوية وانتقل من خطاب التمسك بالسيادة على القدس والمسؤولية الشرعية والقانونية عنها إلى المطالبة الواضحة بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية والالتزام بتسليم الفلسطينيين للادارة الدينية للمواقع المقدسة في ترتيبات الحل النهائي، وفي كل المراحل حافظ الخطاب السياسي الأردني على أكثر الثوابت استمرارية المتمثلة بالوضع القانوني للمدينة والدفاع عن هوية القدس الثقافية المتمثلة في حماية تراث المدينة المقدسة الإسلامي والمسيحي وحماية الهوية الديمغرافية فيها إدراكاً بأن مسألة الهوية في نهاية المطاف ستقرر مصير المدينة المقدسة. هل الخطاب السياسي في مسألة الولاية الدينية قابل ان يشهد تحولات خلال الفترة القادمة؟ هذا وارد في سياق معادلة القدرة والإرادة التي تتحرك وفق ثلاثة مبادئ؛ المصالح الوطنية الأردنية، الالتزام الاردني حيال الشعب الفلسطيني ومصالحه، والمسؤولية التاريخية والدينية.
عمليا فقد شهد هذا الخطاب تحولات عديدة من خطاب الولاية الدينية المباشر على القدس إلى مبدأ "لا سيادة على القدس إلا لله" والذي طرحه الملك الحسين للمرة الأولى بعد 1994 وفسر على أساس انه يقصد بالقدس الدينية المساحة الجغرافية التي تضم المواقع الدينية الإسلامية والمسيحية والممتدة على مساحة واحد كيلو متر مربع وتحويل مسألة السيادة عليها إلى مسألة إنسانية وعالمية ودينية ما يعني عملياً الحديث عن ثلاث مدن تعني القدس (القدس الغربية عاصمة إسرائيل والقدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية والقدس الدينية) ما قاد إلى تردد عبارة "الدولة الفلسطينية وعاصمتها في القدس" على لسان الملك الحسين في منتصف التسعينيات لأول مرة في الخطاب السياسي الأردني، وصولا الى خطاب الربط بين الحل الديني والسياسي حيث يدعو الخطاب الأردني الى منح الجانب الديني في مستقبل القدس مكانته الحقيقية باعتباره جوهر الصراع وهو الأمر الذي يتقاطع مع الرؤية الإسرائيلية القائمة على مبدأ (القدس مفتوحة دينيا ومغلقة سياسيا) وهو ما دفع الأردن الى الاعتراف مبكرا بمكانة القدس عند اتباع الديانات الثلاث وأن الاعتراف بهذه المكانة لا يعني بأي شكل المس بهويتها العربية.
اليوم، ووفق الوقائع والمعادلات القائمة فإن مسار النهج الاسرائيلي واضح ويذهب نحو تقسيم المسجد الاقصى، فالخطاب الاسرائيلي بات يتحول الى خطاب عالمي في وصف هذا المكان المقدس "المكان المقدس الاول لدى اليهود وثالث الاماكن المقدسة لدى المسلمين". اردنيا ليس من المتوقع ان يتراجع الاشتباك الأردني مع ملفات القدس؛ لكن نحن بأمس الحاجة الى رواية أخرى للأحداث والوقائع.

التعليق