"وسلامي لكم"..

تم نشره في السبت 29 تموز / يوليو 2017. 12:00 صباحاً

ثمة مدينة تلوح “ كباقي الوشم في ظاهر اليد”.
تحملُها على ظهرك أنَّى ذهبت، مثل نجمةٍ.
أو مثل قمرٍ قدر المستطاع ، لكنَّه لا يضيء طريق أحد.
مدينة تؤلفها من وجوه أهلك، ومن لهجة خالتك، ومن قتلى كثيرين لا تعرف أين انتهى بهم الأمر.
كنتُ أريدُ أن أسلّم على هذه المدينة المجازية باليد ولو مرةً واحدةً وأخيرة.
المدينة التي للحقيقة لم أتأكد بنفسي بعد من وجودها خارج القصائد والجنازات و”صندوق التلفزيون”.
كنتُ أريد أن آخذكِ اليها، لترَي: هنا كانت لنا أشجار، ونهر مواظبٌ على المشي كل صباح، وشمسٌ .. كنّا مثل كل الناس، ثمّ .. هنا تناثرت روحي نُتفاً على الشبّاك !
كنتُ أريد أن آخذكِ اليها .. لكنَّه ليس ثمة من يؤكد، أو ما يؤكد لي، أنا ، أن مدينتي موجودة فعلاً، ما لم أحُكّها بيدي، كما يحكُّ المريض جرحاً ناشفاً، أو كما يُسلّم باليد على شقيقه المغترب منذ خمسين عاماً، مُرتاباً من هذا التشابه بينهما في الانف ونبرة اللهجة القديمة.
كل ما نسمعه دائماً عن الشقيق المسافر مكتظ بالمبالغات والطهرانية وعمليات التجميل التي تجعله أجمل إخوته وأكثرهم وسامةً.
وانا لا أصدّقُ أن مدينتي؛ التي تقيم في حكايةٍ منسوجةٍ بعناية مذيعي الاخبار، هي أيضاً مدينة فيها امرأةٌ تصحو من النوم بشعر منكوش وتذهب الى شغلها في باصٍ قديم تفكر بأن فستانها صار ضيّقاً عليها، او بإظفرها المكسور؛ ولا تفكر أبداً بتحرير الوطن !
وأن رجلاً يجلسُ في محلّه الآن يكيدُ لجاره في المحلّ الثاني؛ كما يحدث للبشر الآخرين تماماً.
لكنني، مثل جيل أو جيلين، او ثلاثة، تربّوا على نشرات الأخبار، وليست بحوزتهم صورة شخصية واحدة مع الشقيق المسافر، أظلُّ أقول لنفسي: هذه المدينة متعاليةٌ وتحبُّ أن ترى نفسها دائماً في “البوسترات”. فأملأ حيطان المنفى الفاخر بصورها، بمختلف مراحل عمرها، .. لأتخلص من هذا الحب “غير المفهوم” !
هذه العلاقة التي لا براهين عليها؛ ولا براهين تدحضها، وعليَّ أن أحملها على ظهري كجثةٍ تنشب فمها في ظهري. جثة لم تمت تماماً، لأنني انا لم أمت بعد تماماً. ولا أسبقها لأرى وجهها، ولا تسبقني لأعرف طريقنا ؛ تظلُّ خلفي مثل اسم الجدّ؛ ..
الجدّ الرابع الذي تحمل اسمه دائماً ولا تعرفه وتتمنّى لو أنَّكَ سَلَّمتَ عليه مرة باليد !

التعليق