ما يهم حقاً في الشرق الأوسط

تم نشره في السبت 29 تموز / يوليو 2017. 12:00 صباحاً
  • مشهد للدمار الذي ألحقه القتال ضد "داعش" بمدينة الموصل العراقية - (أرشيفية)

جاكوب ل. شابيرو - (جيوبوليتيكال فيوتشرز) 12/7/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

يبدو أن القتال ضد ما تدعى "الدولة الإسلامية" يسير سيراً حسناً. وفي يوم 9 تموز (يوليو) الحالي، أعلن رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، تحقيق الانتصار في الموصل بعد استعادة المدينة في نهاية المطاف. وفي اليوم نفسه، وافقت الولايات المتحدة وروسيا على وقف لإطلاق النار في جنوب سورية، فيما يبدو أنه لإعطاءقوات الحكومة وقوات الثوار السوريين على حد سواء حرية أكبر في قتال "داعش" –وليس أن الثوار لم يقاتلوا "داعش" أبداً. ثم يوم 10 تموز (يوليو)، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان لوكالة رويترز للأخبار أن زعيم "داعش"، أبو بكر البغدادي، لقي مصرعه كما كان قد أشيع قبل شهر. وهذه تطورات تلقى الترحيب من أعداء "داعش". لكن القتال ضد التنظيم ما يزال أبعد ما يكون عن النهاية.
مدينة محطمة، هيدرا
دعونا نلقي نظرة على كل واحد من هذه التطورات، بدءاً بتحرير الموصل. لقد احتاج اجتثاث "داعش" من المدينة تسعة أشهر، على الرغم من حقيقة أن قوات الأمن العراقية فاقت بشكل كبير قوات "داعش" من حيث العدد، وأنها كانت مدعومة من الولايات المتحدة. (بالمقارنة، استغرق استيلاء "داعش" على الموصل أسبوعين فقط). ومن المؤكد أن الصعوبات التي تعترض حرب المدن كانت مسئولة عن إطالة أمد معركة الموصل، وإنما إلى نقطة معينة فقط. وببساطة، لم يكن بمقدور "داعش" أن يصمد طوال المدة التي صمدها لولا أنه تلقى كمية وفيرة من الدعم المحلي. وتظل خسارة الموصل في نهاية المطاف خسارة رمزية، لكنها تعتبر مع ذلك هزيمة يمكن تحملها.
إن المدينة التي استعادها العراق محطمة. ولأول مرة في التاريخ تستولي قوة عسكرية شيعية على مدينة سنية في أغلبيتها. ولم يعد مواطنو المدينة يثقون في الحكومة المركزية، كما هو حالهم مع المليشيات الشيعية العاملة مباشرة  في غرب المدينة والمدعومة من إيران. وبذلك، لم يتم حل مشاكل العراق الأساسية والجوهرية. فالسنة يكرهون الشيعة والشيعة يكرهون السنة، بينما يحاول أكراد العراق الانفصال. وسوف يضغط النزاع الطائفي في العراق بينما سيحاول الجهاديون استغلال النزاع كلما رأوا ذلك مناسباً.
ثم هناك الاعتبارات العسكرية العملية. لقد لحقت خسائر فادحة بصفوف القوات الأمنية العراقية في معركة الموصل، حتى أنهم ليسوا في عجلة من أمرهم لاستئناف القتال في مناطق أخرى ما تزال تحت سيطرة "داعش"، مثل تلك التي توجد في محافظة الأنبار. كما يترتب على الولايات المتحدة أيضاً تعديل استراتيجيتها إذا كانت تريد تجنب تكرار الأخطاء التي ارتكبت وأفضت إلى خلق "داعش" في المقام الأول. وقال القائد الأميركي للعملية ضد "داعش" إنه سيكون على الحكومة أن تفعل شيئاً "يكون مختلفاً بشكل كبير" لمنع حدوث ذلك.
في الأثناء، يبدو أن روسيا والولايات المتحدة وضعتا خلافاتهما جانباً ووافقتا على اتفاق لوقف إطلاق النار في جنوب غرب سورية. والحقيقة هي أن موسكو وواشنطن كانتا تتعاونان بشكل هادئ في سورية منذ بعض الوقت. وتشهد على تعاونهما -الأكثر أهمية بكثير من وقف إطلاق نار محكوم عليه بالفشل- الهجمات المضادة المنسقة التي أطلقتها قوات سورية الديمقراطية والجيش السوري ضد قوات "داعش" قبل أسابيع قليلة. وفي الحقيقة، بدأت اتفاقية وقف إطلاق النار في التداعي أصلاً. فقد ذكر موقع "المصدر" الإخباري أن الجيش النظامي السوري حقق تقدماً في منطقة ريف السويداء وريف دمشق غداة الإعلان عن وقف إطلاق النار، بينما ادعى الجيش السوري الحر أنه أسقط طائرة نفاثة سورية واستعاد أراضي من القوات الحكومية. أما إذا كان ذلك صحيحاً أم لا، فلا يهم: إن ما يهم أنهما ما يزالان يتقاتلان.
كما أن مقتل البغدادي أيضاً أقل تشجيعاً مقارنة مع ما كان عليه الحال في البداية. ويُحتمل أن يكون البغدادي قد لقي مصرعه في غارة روسية، كما ادعت التقارير الأولية. لكن ذلك ليس مهماً أيضاً. فالمجموعات مثل "داعش" هي هيدرا أكثر من كونها أفعى، حيث قطع الرأس لا يعني قتل الجسد، وإنما يخلق رؤوساً جديدة فقط. وكانت الولايات المتحدة قد أجبرت أسامة بن لادن على الاختباء قبل أن تقتله في باكستان. ومع ذلك، لم تتأثر القاعدة بشكل كبير بسبب غيابه. وما من سبب للاعتقاد بأن الأمر سيكون مختلفاً مع البغدادي.
ويأتي ذلك لأنه كان يلعب اللعبة الطويلة. ومع إدراكه أنه ربما سيكون شهيداً، لا بد أن يكون البغدادي قد عمل بشكل شبه مؤكد على تمكين بعض العسكريين القادرين على المضي قدماً بعد موته. ويتفاخر "داعش" بأن لديه بيروقراطية متطورة كثيرا وبأنه ثري من جمع الضرائب ولديه نشاطات شرطية، حتى أنه لديه نظام صحة عامة. ومما لا شك فيه أن هذه المؤسسات تترنح تحت ضغط هجمات الائتلاف، لكن من الصعب تجاهل مدى تنظيم "داعش" وكيف أنه حكم بفعالية مناطق شاسعة في سورية والعراق -كل ذلك بينما كان يقاتل في حرب متعددة الجبهات ضد أعداء أقوى منه. وسوف وسوف يموت عدد أكبر بكثير من قادة "داعش" قبل أن ينتهي القتال فعلاً.
ما لا يمكن تجنبه
بطبيعة الحال، يثير كل هذا سؤالاً واضحاً: إذا كانت التطورات الأخيرة ليست مهمة كثيراً، فما هو الشيء المهم؟ ربما يكون الأمر الأهم الذي يجب تذكره هو أن "الدولة الإسلامية" لم تهزم بعد. إنها ما تزال تحتفظ بأراض قابلة للدفاع عنها والتي تمتد من دير الزور إلى البوكمال. وما تزال تنفذ هجمات إرهابية ترمي إلى خلق العداء بين المجموعات الطائفية وإنتاج مجندين حديثين. وهي ما تزال تحاول التسلل إلى داخل البلدان المحيطة، خاصة الأردن والسعودية (في الحادي عشر من هذا الشهر فقط أحبط الأردن محاولة لعبور حدوده بشكل غير قانوني). ويتوفر "داعش" على أعضاء يستطيعون بمجرد "هزيمة" التنظيم عسكرياً الانسلال إلى داخل المجتمع دون أن يتم تعقبهم.
كما أنه من المهم أيضاً تذكر أنه بينما يضعف التنظيم، فإن لاصراع الإقليمي العرقي والطائفي سوف يسوء. وتشكل محافظة الأنبار -حيث تعمل المليشيات الشيعية المدعومة من إيران في مناطق سنية في معظمها- كارثة قيد الصنع. وما تزال سورية بلداً عربياً سنياً في معظمه، والذي يحكمه العلويون الذي يعتنقون نسخة من الإسلام الشيعي. وهم يتلقون الدعم من حزب الله وإيران التي تريد بقاء بشار الأسد في السلطة. وتريد السعودية، وهي القوة الإقليمية السنية، الإطاحة بالأسد، كما تريد تركيا ذلك. وقد نحَّت كل هذه المجموعات خلافاتها جانباً مؤقتاً من أدجل محاربة عدو مشترك. ومتى ما تمت إزاحة هذا العدو المشترك، فإنهم سيستطيعون ببساطة العودة إلى التقاتل فيما بينهم بشكل أكثر مباشرة مما كانوا يستطيعون في سابق الأوقات.
بطبيعة الحال، لم يقم أحد بغزو واحتلال ما تبقى من أراضي "داعش"، كما أن النزاع العرقي في العراق وسورية ليس بقدر السوء الذي سيؤول إليه بالتأكيد. لكن هذه التطورات حتمية في القتال ضد "داعش". وعند التعامل مع الحتمي، فإن أكثر وقف لإطلاق النار إغراء والموت العشوائي هي أشياء لا تهم بقدر ما يهم الشيء الدنيوي. إن أشياء مثل وضع الاقتصاد السياسي للسعودية وقدرات وحيوية حرس الحدود الأردني والعلاقات بين المليشيات الشيعية والمواطنين السنة، هي التي تهم فعلاً.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 What Really Matters in the Middle East

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق