زهرتان للقدس

تم نشره في الأحد 30 تموز / يوليو 2017. 12:00 صباحاً

(1) بوابة السماء
ما إن تدخل بوابتها الأولى
حتى يترفق بهوائك قلب لا تلمس فيه
سوى العطر ونبض طيور الله
ما إن يتجلى في أحداق مآذنها مدٌّ
أو إدغام آتٍ من أيام الفتح
حتى تجرحك حدود منازلها المحزونة
وتعلق قلبك في سرو منازلها
تلك قباب ترتفع بخفة عصفور
ليراها الله على مقربة من أبواب الجنة
وترانا نمضي في هدأتها لنعود
كأنّات نولد ثانية
ونحب على مهل ثانية
ونهز الريح لنسبقها ثانية
لو أنا كنا مع أول مهد نقرأ سورة مريم
لو أن الطائر وهو يمر حفيفا قرب أزقتها
أرقه الحب قليلا وتلعثم
لأعدنا اسمك في أول سطر ثانية
وكتبنا فوق كنائسنا يا قدس الأحلام
هنا بركت ناقات الريح
وصار الماء يسير على خفته
تحت يناعة أزهارك
والخيل تطير إلى محرابك وتحمحم.
(2) إيلاريون كبوجي
يذهب هذي الليلة للقداس، يراقب بابا الفاتيكان بصمت، يدعك قلادته بلمعان، يبتسم لراهب يعبر على استحياء محطة الترقب، ويفتح كتابا صغيرا ليقرأ:
هكذا تبدو الغيمة من بعيد؛ اسم باذخ للماء، شرفة لنباتات الزينة، حقل يتلو آيات الخضرة بنهم، بيت يغتسل من الغبار، طفل يعبث بكرة الضوء، خيط حرير أبيض، يتسلل من بهو الكاتدرائية، قوط يحلمون بمسلات الغيب، وجبال ستنام على كتفيه، كأنه يقضم تفاحة، صورة لمدينة غريبة، كتبا مصفرة من اللمس، يدا تلوح للمقاتلين تحت الرذاذ.
ثمة حقل يا إيلاريون، حقل في آخر الممر، نعناع وأشتال لوز وبركة بط، وأنت، تخطو بهدوء أمام البركة، ثمة أنت تقف متأملا سورا طويلا، يتشقق من الانتظار، ثم تخبئ رشاشك تحت المقعد الحجري، لترى طائرا صغيرا يتقدم نحوك، وفي يديه حفنة قمح.
الكلمات يا إيلاريون، تصعد درج الكاتدرائية، مثلك تماما، حين كنت تصعد درج السماء، مثل ردائك المقدس، حين يغطي صناديق الرصاص في الغريفة، مثل صوتك حين كنت تصلبه فوق المذبح، لتعظ الريح والأيام وازهار العناب، وآلام السجناء.
حلمت بقميص أزرق، وأنت تحدق في السماء، ارتديته في السجن ذات صباح مختل بالعدو، وكسرت أنف الخيبة، بتأملاتك الكثيفة في الصور:
صور ثوار، أرامل، أطفال يلعبون بالرصاص، بيوت مهدمة، أسوار ضالة، عربات قتلة تلهث وراء فرائسها، أسماء توارتية ترتعش تحت البهتان، بدلات كاكي مرقطة، أحزمة رشيقة على خصور المقاتلين، نياشين ألم وصباح ثمل بالثورة.
هذي الليلة بالذات، سينام المطران إيلاريون كبوجي في حضن أحلامه، وتطلق روحه أغنية للحالمين بالحقول، ولن تبكي شوارع الحكاية، ستنتظره ليسرد أحلاما سبقته إلى الحديقة في عز الليل، لينام القديس على كتف غيمة.

التعليق