مجرد مواطن قام بواجبه

تم نشره في السبت 29 تموز / يوليو 2017. 11:01 مـساءً - آخر تعديل في الأحد 30 تموز / يوليو 2017. 12:25 صباحاً

 قبل أكثر من ثلاثة عقود زار زعيم عربي وبصحبته عدد من الرفاق والأخوة جمهورية فيتنام الصديقة واصطف عدد من الرسميين الفيتناميين لاستقبالهم حسب الترتيب البروتوكولي المعمول به في الدولة. وما إن انتهت مراسيم السلام والاستقبال حتى تدافع أعضاء الوفد الزائر باتجاه الجنرال فو نجوين جياب القائد   الاسطوري الذي نجح في قيادة ثورة شعبه ضد الاستعمار الفرنسي بعد أن أرغم القوات الفرنسية على الاستسلام عام 1954 ودحر القوات الأميركية فيما عرف بحرب فيتنام التي شكلت أحد أوجه الصدام بين النظامين الشيوعي والرأسمالي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ليصبح أحد أهم القادة العسكريين والسياسيين لبلاده طوال حياته التي زادت على قرن من الزمان.
وسط هذا المشهد تقدم المترجم الفيتنامي الذي تعلم العربية في القاهرة من رئيس الوفد الزائر وأخبرهم أن ما يقومون به يشكل خرقا لقواعد البروتوكول الفيتنامي؛ فهناك رئيس وقيادات تتقدم رسميا على جياب ومن غير اللائق ترك كل هؤلاء والتحلق حول الجنرال الذي كان قد قارب على الثمانين من العمر الامر الذي دفع بزعيم الوفد للقول إن جياب ليس شخصية عادية ولا جنرالا او حتى زعيم دولة بل هو ملهم لنا ولكل شعوب الأرض الباحثة عن الحرية والكرامة والاعتزاز الوطني.  واعتقد الزعيم العربي أنه قدم للمترجم الفيتنامي إجابة تسكته قبل أن يستدير  المترجم ويجيبه بالقول "الجنرال جياب مجرد مواطن فيتنامي قام بواجبه".  ليصمت الوفد ويستغرق الجميع في التفكير بما سمعوا.
 المشكلة المحيرة  لكل من يراقب أوضاع الامة تتمثل في الرغبة العميقة لدى الكثيرين منا في البحث عن دور البطولة فيما يعتبره الغير من متطلبات الواجب.  فمن الصعب ان يقوم أي منا بعمل دون أن يحدث الكثير من الضجيج والسعي للحصول على الاعتراف من الآخرين بالفضل وتصيّد الثناء والتمجيد. في المجتمعات التي تقسم فيها الأدوار لا يمكن أن يعزى النجاح لشخص أو أشخاص؛ فإما أن ينجح التنظيم برمته أو أن يفشل برمته والتباين الحاصل في أداء الأفراد والجماعات هو ما يدعونا إلى إحداث التغيير لإصلاح الاختلالات وتمكين أنظمتنا من القيام بواجباتها وأدوارها.
من غير المعقول ولا المقبول أن تختصر المؤسسة بشخص والمجتمع بفرد ومن غير المنطقي أن نعزو التدهور لشخص أو النجاح له فالقادة والإداريون والزعماء يوجهون ويخططون ويلهمون لكن العمل الفعلي تقوم به أعداد كبيرة كل من موقعه.
في كل مجتمعات الدنيا يحصل التقدم عندما يسعى الجميع لتحقيق الأهداف الوطنية الواضحة كل من موقعه وينجح الجميع عندما  تتكامل الأدوار ويختفي الغموض ويتلاشى الاستحواذ.  الفلسطينيون الذين تداعوا للدفاع عن حقهم في ممارسة الشعائر في الأقصى الشريف هبّوا لإيمانهم بقدسية المكان وحقهم فيه ومحاولات العدو تهويده أو إلحاقه بالأراضي التي ابتلعها والأماكن والمعابد والمعالم التي طمس أثرها.
والاسرائيليون ينفذون مخططات استقوها من الأساطير والأوهام لكنهم آمنوا بها ونقلوها للصغار والكبار فتجد الجميع يعي إلى أين هم ذاهبون؛ فيتعاضد اليهودي الأميركي والفرنسي والبولندي والمغربي والأثيوبي مع من هو على أرض فلسطين لخدمة هذه الأهداف دون تردد أو بحث عن  مجد أو ثناء. قبل أيام فقط أُخلي سبيل يهود أولمرت بعد سنوات من السجن لانه خالف قوانين بلاده ليعود إلى الحياة العامة بعد أن كان رئيس وزراء البلاد لسنوات.
الجنرال جياب والجنرال مونتجمري وحتى أيريل شارون ويهود أولمرت وموشى دايان وما حققوه من انتصارات لبلدانهم وأممهم وشعوبهم لم يدفع بهم للتعالي على مواطنتهم ولم يمنوا على وطنهم بل فهموا إن ما قاموا به من أعمال وحققوه من إنجازات لا تتعدى حدود ما يمليه عليهم الواجب، وكانوا وسيبقون كمواطنين عاديين قاموا بواجباتهم.

التعليق