إبراهيم غرايبة

عن الكتابة بمناسبة العيد 14 لـ ‘‘الغد‘‘

تم نشره في الأربعاء 2 آب / أغسطس 2017. 12:07 صباحاً

ما الكتابة سوى اتباع للسراب، هذا مدح وليس ذما، في الظمأ إلى المعرفة يكون السراب، ومن لا يملك السراب ليس ظامئا ولا يرى حاجة للتعلم او الى معرفة جديدة او اضافية. عندما كتبت مقالتي الاولى في "الغد" كتبت مقالة أخرى خبأتها معتقدا أني سأنشرها بعد عشر سنوات أعلن فيها اعتزالي للكتابة وتفرغي لزراعة ورعاية الكرمة، كنت أظن ان كتابة ستة الاف مقال تكفي لشراء قطعة ارض وتمضية ما تبقى من العمر في رعايتها وزراعتها، وأني سوف اكون قد كتبت كل شيء أحب أن أكتبه ولن يبقى شيء اقوله، ولكني وجدت ان المقالة التي يجب ان اكتبها بعد عشر سنوات هي ما تصلح ان تكون المقالة الثانية في الغد، وجدت أنني اقتصاديا ومعرفيا في اليوم الثاني لصدور الغد، ويبدو أنك في منزلة معرفية تتفق مع منزلتك الاقتصادية، واليوم أواصل الكتابة اليومية بعد أكثر من ثلاثين سنة من الابتداء بها وبعد ثلاث عشرة سنة  من بدئها في الغد كما لو أني ما أزال في اليوم التالي للبدء بالكتابة، ليس بسبب عزيمة قوية ولكن بسبب حاجة قوية للبقاء على قيد الحياة .. تستحق الحياة كل هذا العناء.
بذلت جهودا كثيرة ومحاولات متكررة لترك العمل في الكتابة؛ باءت جميعها بالفشل.. غريب أمر الكتابة! كنت أحب أن أعمل بائع كتب وكدت أفعل.. وما أزال نادما اني لم أشتغل بائع كتب.. على الاقل ساقرأ كتبا كثيرة وأحدّث الناس عنها، لكن لا الأذكياء ولا الأغبياء ولا المفسدون ولا المصلحون في مكانهم المفترض.. الوحيد الذي في مكانه الصحيح هو ذلك الفتى، مساعد البائع في مطار باريس، يغلف الهدايا بشغف على نحو لم أقابل في حياتي أحدا مثله مستمتعا ومعتزا بعمله!
لكنك في الكتابة ولشديد الأسف لا تعمل في تغليف الهدايا، وإنما تخوض مع الناس لعبة بالغة التعقيد والتغير، أن تقدم لهم معرفة يحتاجونها ويثقون بها، كيف؟ كيف تقدّر ما يحتاجه الناس وما يدركونه وما لا يدركونه؟ والناس في ذلك متفاوتون متقلبون، ويتوزعون أيضا فيما بينهم المواهب والمهارات ففي كل مجال، عارفون وموهوبون وأذكياء .. لكنها معرفة إنسانية تكتسب ثقة الناس واتّباعهم أو لا تكتسب.. هي معرفة تستمد حضورها سواء كانت صحيحة أو غير صحيحة من ثقة الناس.. ولا سلطان لأحد على ثقة الناس وإيمانهم،.. ولا يملك أحد سلطة من السماء تجعل ما يعرفه حقيقة يجب الايمان بها أو تصديقها.
فالمعرفة بما هي عقلانية وإنسانية عرضة على نحو حتمي للتغير والمراجعة وبطبيعة الحال تشمل القاعدة كل معارفنا .. فلا يكون العلم علما الا بكونه قابلا لإثبات زيفه ويستمد كونه علما أنه لم يثبت بعد زيفه.
ولذلك تكون المعتقدات القائمة على العقلانية غير يقينية وقابلة للتغير ويكون أصحابها برغم ذكائهم وتقدمهم المعرفي لا يوقنون بما يعرفونه .. وتكون أيضا معتقدات غير رسالية وليست مرتبطة بالهوية بمعنى أن أصحابها لا يجدون في إثبات صحتها أو إثبات خطأ غيرها رسالة يجب أن يبلغوها للناس ولا يزعجهم أن يؤمن الناس بها أو لا يؤمنون.. فهي معرفة أنجزت بمجهود عقلاني وعلمي وليست متعلقة بكرامتهم أو هويتهم او وجودهم ولا يعرفون أنفسهم بها ولا يعتقدون أنهم يفتقدون هويتهم أو تتضرر مكانتهم لو تعرضت للنقد والإعراض أو تخلى عنها أحد.
وفي الوقت نفسه فإن المعتقدات المستمدة من عواطف ومشاعر تظل أكثر ثباتا وقد لا تتغير، .. فلا يمكن إثبات خطئها ولا يحدث ما يدعو الى تغييرها لأنها قضايا لا يطالها العقل بما هو متغير وغير يقيني، وتكون بطبيعة الحال قوية ومؤثرة ويجدها أصحابها مرتبطة بشخصياتهم وهويتهم ومعنى وجودهم. هي تعكس كيانهم ووجودهم في الحياة والمكان، ويكون المساس بها تهديدا أو ضررا بالمكانة والمعنى المكتسب.
ماذا تكتب للواثقين بما يعرفونه ويؤمنون به؟ ماذا تكتب لغير الموقنين؟

التعليق