الأزمات لا تُعالج بالعواطف

تم نشره في الأربعاء 2 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً

من الظواهر التي لا يمكن تجاهلها سيطرة العواطف والمشاعر الى حد ما على عقولنا كشرقيين، وكعرب على وجه الخصوص فالملاحظ اننا في كثير من الأحيان ننجر وراء العاطفة دون اعمال للعقل كما ينبغي خلافا للغرب الذين يقدمون العقل على العاطفة.
هذه طبائع ورثنا بعضها عن آبائنا واجدادنا وبعضها الآخر اكتسبناها بسبب الظروف والوقائع التي مرت بها امتنا على مدى فترات من الزمن بحلوها ومرها بعلمها وجهلها وبقوتها وضعفها. شعبنا الاردني فيه ميزة الفزعة والنخوة موروثة ومكتسبة كما اسلفنا ومملكتنا منذ بداياتها واجهتها مصاعب وتحديات ليست بالهينة، بيد ان الحاكمية الرشيدة المتمثلة في ملوك بني هاشم عالجتها على ضوء ما تتمتع به من حكمة وعقلانية وبعد نظر.
في اعقاب انهيار الحكم العثماني بزغ فجر جديد للاستعمار الغربي الذي كانت تراوده رغبات السيطرة على مقدرات الشعوب الضعيفة ومن بينها شعوبنا العربية المنهكة التي كانت قابعة تحت (بنديرة) ولاة الدولة العثمانية، في حقبة ما أطلق عليها بالرجل المريض حيث ظهرت الأطماع الغربية على حقيقتها بعد ان كشرت عن انيابها للاستيلاء على كل ما تملكه الدولة من امصار وثروات مادية ومعنوية.
من هنا بدأت مرحلة جديدة من الكفاح والنضال لتجنيب جزء كبير من الوطن العربي وهي الحجاز والعراق وبلاد الشام من اطماع هذا (الغول) الغربي الذي لم يخف اطماعه وشراهته للسيطرة على مقدرات هذه المنطقة. واستطاع الهاشميون بعد نضال مرير انقاذ ما امكن انقاذه من تداعيات الهجمة الاستعمارية، وظهرت الحركة الصهيونية التي لقيت من الاستعمار دعما غير محدود لاغتصاب فلسطين، وهذا ما حدث في اواسط القرن الماضي، فاسرائيل التي تم زرعها في قلب الوطن العربي هي صنيعة الاستعمار، وما تزال تحظى بالدعم والمساندة من كل دول الغرب وعلى رأسها اميركا في حلف غير مقدس ما اكسبها صلفا وغرورا وتمردا على قوانين الشرعية الدولية.
الغرور وصل بحكومة اسرائيل اليمينية ان تتحكم بحرية العبادة في المسجد الأقصى كما شاهد الجميع، اذ قامت بتركيب بوابات الكترونية وكاميرات ذكية واجهزة حساسة، وكانت كلها موضع رفض مطلق من المقدسيين والمرابطين الذين امتنعوا عن الدخول الى المسجد الاقصى من خلال هذه الاجراءات التعسفية لسلطات الاحتلال واقاموا الدنيا واقعدوها الى ان رضخت حكومة اسرائيل الى ازالة هذه البوابات، وما رافقها من اجراءات باطلة لا تتفق وقدسية المكان ومبدأ حرية العبادة.  الاردن الرسمي وبقيادة جلالة الملك قام بالتحرك الفوري، وعلى جميع المستويات والصعد، ومن منطلق الرعاية والوصاية الهاشمية على المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس، فتم اعادة الوضع في المسجد الاقصى على ما كان عليه بعد جهد كبير، ما دفع الى توتر شديد في العلاقات الاردنية الاسرائيلية، وزاد الطين بلة حادثة السفارة التي أدت الى مقتل مواطنين اردنيين من قبل احد الضباط الاسرائيليين المسؤولين عن الأمن الداخلي للسفارة.
ردة الفعل الشعبية الغاضبة وصلت اوجها ووقفت جماهير شعبنا كما هي العادة خلف قيادة هذا البلد وبكل صلابة، مع ادراكنا التام كمثقفين وكتّاب ان الأزمات عادة لا يتم معالجتها بالعواطف الجياشة، بل بالحكمة والتعقل. وادركت هذه الجماهير مدى الغضب الذي بدا على جلالة الملك الذي لم ولن يتهاون في قضايا مثل هذه، خصوصا أن لها مساسا بحياة الاردنيين وكرامتهم وبالمقدسيين ومقدساتهم، ونحن من خلفه سائرون.

التعليق