نادر رنتيسي

"جنازة اونلاين"!

تم نشره في الجمعة 4 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً

.. حتى الموت كان لائقا، ومهيبا، والمرحوم يصبح قبل الثلاثين من أربعينه طائرا أسطوريا، تشاعُ عنه حكايات البطولة ضدّ الاستعمار القديم، وتوضع محاسنه في قصص قصيرة تُروى موسميا أمام الدكاكين على كراسي القشِّ البليدة. وجدّي الأول اسماعيل مات بعد سيرة قابلة للإضافة (يمكن القول إنه قاتل العصملي بسيف شامي)، ولم يقتل، عاش طويلاً حتى عاصر الألوان الطبيعية، والهاتف الأرضيّ الأزرق.
رويت عن جدي اسماعيل حكايات مسلية، كنتُ أسمعها من جدي الثاني، وشاشة مفترضة بالأبيض والأسود فوق رأسي تعيد إنتاج الحكي في صور متحركة، مستعيناً بالخيال السينمائي المصريِّ المبكّر. مات جدي اسماعيل، ولم يبق من بطولته إلا صورة ببرواز خشبيٍّ مسطّر، وهو يجلس متكئا على عصا، بهيبة عُمْدة يقتصر دوره في المسلسل الصعيديِّ على صورة في منتصف "الدوّار"، تبدأ منها عقدة الحكاية.
لم يفقد الموت هيبته في ميتة الجدِّ الثاني، احتفظ بجلاله منقوصاً، كان للمرحوم صور محدودة في الألبوم العائليّ، ملوّنة بهدوء، وباللباس العربيّ. واسمه يُذكر بدراميّة بالغة قبل الثلاثين من أربعينه، وتُروى قصص غير موثوقة، لكن تصديقها يُحسَبُ نوعا من الاحترام، عن مشاركته في الحرب الخاسرة التي قادت إلى النكبة، ونواياه بالتطوّع للقتال في القنال لصدّ العدوان الثلاثيِّ، ومحاسن كثيرة في غربته التي انتهت به فقيرا لما أعلنت كلّ أطراف حرب الخليج الثانية، النصر.
ولم يفقد الموت كامل هيبته في ميتة الأب، صحيح أنّ "المرحوم" لم تكن له بطولة في حروب بيروت الطويلة، أو نوايا لقتال الفارسيين في شط العرب، بل كان له حضور ضاحك، وراقص، بهيبة موزونة، محفوظة في أشرطة الفيديو لأعراس صالة "اتحاد العمّال"، وله أيضا صور "ديجتال" عالية الجودة، تخفي التجاعيد تحت العين الحمراء، لكنّ الموت كان يحدث بتجهم، كما كان للجنازات صمتها، قبل أنْ تشيع بهيئة "الزفة"!
الموت في زمن "فيسبوك" يحدث كالفضيحة، "المرحوم" كان قبل ساعات "أونلاين"، ويوزّع الوجوه الصفراء الغامزة على الفتيات اللواتي أنهيْنَ حصة الموسيقى، ونساء عدن من تدريبات شاقة لاستعادة الرشاقة في "الجيم". أصابته نوبة قلبية شائعة بعد صلاة الفجر، وقبل أن تكتمل الشمس على الكوكب الأزرق، وثّق عشرة أصدقاء المحادثات الأخيرة على واتس آب، والتقطت صورة مؤثرة لآخر ظهور له على "فايبر"، وجملة قالها في ضجر، استعملت بعد وفاته كـ "نبوءة" بالموت!
ينشر الأقربون فيديوهات لـ "المرحوم"، كان يبدو فيها مسترخيا على رمال "رم"، وأخرى متخفّفاً من الملابس على بلاج صاخب في "شرم الشيخ". وقبل الثلاثين من أربعينه، سنعرف من حزمة الصور أثناء تناوله الطعام على النيل أنّه كان "أشول"، ويحكُّ أرنبة أنفه إذا أراد أنْ يكذبَ، فيديو وهو وراء المقود، ويقول لمتابعيه "صباح الخير"، بعشر لغات غير دارجة. يبدو "المرحوم" كأنَّه توفيَ ولم يمتْ، والأحياء كأنهم يبالغون في كيِّ الذكرى!
صديق أخرق من الكوكب الافتراضيِّ الأزرق، يجلس بكآبة مدهونةٍ على وجهه بجانب نصف جسد، ويكتب "أمّي تسلم الروح"، ويتعاطف الأصدقاء بالوجوه الصفراء، بالحجم الكبير من الهاتف الذكيِّ، ويسيلُ منها ما هو على سبيل الدمع. ثمّ صور للقبر من زواياه الأربع، كأنه شقة "على العظم" معروضة للبيع المستعجل. صور الجنازات موثقة كمواكب "التوجيهي"، وسيلفي جماعي بعد صلاة الجماعة.
وأنا أفرُّ من الجنازة، يرعبني أنْ يباغتني في الرابعة صباحا، بعد محادثات حميمية مجانيّة أوزّعها على العائدات من دروس الرشاقة، أخشى أن توثق حواراتي الأخيرة للعظة والاعتبار، كالنقاط السوداء على الكفن، وأرتعبُ من احتمال أن تنتشر صوري الخادشة حين كنتُ أنقِّب عن الحبِّ في "طابا". إنْ كان لي أن أكتب وصاياي كالأولين، فلا تنشروا لي بعد موتي سوى صورة ببرواز خشبيٍّ مسطّر، أجلس فيها متكئا على عصا، بهيبة عُمْدة، وأن تكون طقوس الحزن من "الصعيد الجوّاني"!

التعليق