"يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين"

تم نشره في الجمعة 4 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي

ليس هناك أفضل لدفع العدو بعد الإيمان من تماسك المجتمع وتلاحمه وتعاونه مع قيادته، فقوة العلاقة بينهما ثقة وتضحية وقوة ترهب أعداء المجتمع من أن يفكروا مجرد تفكير في أذى ذلك المجتمع، وعلى العكس من ذلك نجد الذل والفشل وذهاب الهيبة من المجتمع نفسه إن انقسم أبناؤه، أو افترقت كلمتهم، أو شك بعضهم ببعض، أو عاشت قيادته بمنأى عن أفراده، وصدق الله تعالى: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم".
حين أمر الله تعالى في سورة الأنفال بإعداد القوة بمفهومها الشامل كان المقصد منها الردع، أن يرتدع الأعداء فلا يفكرون مجرد تفكير في غزونا، فقال الله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم"، فإعداد القوة وكثير من أهداف الجهاد نفسه هي ردع لأعداء الأمة، فلا بد من قوة المجتمع معنويا وماديا، ومن حق كل شعوب الدنيا أن تدافع عن نفسها وتحصن ذاتها.
ولنا في كلمة (ترهبون) وقفة، فهي هنا إرهاب بالمفهوم الإسلامي الصحيح، حيث إرهاب العدو بأصنافه من أن يفكر في استباحة أرض المسلمين أو أعراضهم أو دمائهم، ومادة (رهب) في القرآن تكرر استخدامها وهي تدل على الخوف، وفي مجال القوة هي ردع ليس إلا، لغير المسلمين كما بينت، وللمسلمين أنفسهم ممن تسوّل لهم أنفسهم الاعتداء على بعضهم، فلا بد من إرهابهم بالعقوبة حسب فعلتهم، فالإسلام واقعي حين شرع العقوبات مثلا، لأن واقع المجتمع أن فيه أشرارا ذوي نوايا خبيثة، ومن حق المجتمع أن يعيش آمنا مطمئنا مستقرا، فلا بد لمن يقلق المجتمع من ردع أيضا، فالجهاد والعقوبات كلها ردع لكل أعداء الإنسانية والحضارة.
وحين يعرض الله تعالى في الآيات نفسها بعد طلب إعداد القوة أن يجنح المسلمون إلى السلم إن جنح الأعداء له، فهو موقف قوة ينتفع به المجتمع ليتفرغ للدعوة والبناء، كما جرى في صلح الحديبية مثلا، حين زاد الداخلون في الإسلام أضعاف ما كانوا، ففي بيعة الرضوان كانوا ألفا وخمسمائة تقريبا، بينما بعد سنتين فقط في فتح مكة كان عدد الجيش عشرة آلاف. وهذه الفرصة السلمية ينبغي أن توجَّه للبناء لا للارتخاء، وللسلم قواعده وشروطه حسب حال المسلمين، وليس المقام مقام تفصيل، ولكن لا بد من تذكّر آية أخرى في الأمر نفسه، حيث يقول الله تعالى: "فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتِرَكم أعمالكم"، حيث يُفهم ابتداء أنه ينظر في كيفية تحقيق المصلحة للمسلمين من خلال أي عقد سلم مع الأعداء، وفي العموم فلا بد من الهيبة والقوة بأنواعها.
وإن بدت معالم الخيانة من الطرف الآخر، نجد الله تعالى يوجه رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الاعتماد عليه، فهو الذي أيده بنصره وبالمؤمنين، حين ألّف بين قلوبهم، ولو أنفق الرسول صلى الله عليه وسلم ما في الأرض جميعا ما ألّف بينهم، ولكن الله ألّف بينهم، ثم تأتي الآية: "يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين"، وتأتي الآية بعدها في التحريض على القتال، حيث القوة المادية، إضافة إلى القوة المعنوية، وهي توجيهات ربانية واضحة، لا يجوز إغفالها بأي شكل من الأشكال.
على القيادات الحكيمة وأجهزتها أن تبحث عن وسائل قوة المجتمع، ففي قوة المجتمع وأفراده قوة لها، وعلى الجميع أن يعرفوا حقوقهم وواجباتهم التي بينها الله تعالى، حيث النزاهة والعدالة في الحاكم، والطاعة في غير معصية في المحكومين، والنصح العام بين الجميع فالدين النصيحة كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، نصيحة في سبيل الله، وعلى منهج الرسول، وفق كتاب الله، لأئمة المسلمين وعامتهم، فهو مجتمع حيّ متماسك متفاعل متعاون، أهدافه ليست مجرد مسائل دنيوية، بل دعوية ومسؤولية أخلاقية ورسالة سماوية، هدفها إسعاد البشرية كلها.
قوة بنيان المجتمع وسلامة العلاقات فيه من آكد الواجبات التي ينبغي على الجميع السعي لها، ومن الغريب جدا أن تسلك بعض الدول الديكتاتورية محاربة شعوبها، والتنكيل بها، حين يعتقد الحاكم أنه لا بد من القوة على المجتمع كي يفرض سلطته، ونسي أن القوة هي للدولة لا للحاكم، فقوة الدولة بمجتمعاتها لا بقوة النظام فقط، فالنظام –أي نظام- من دون شعبه لا قيمة له.
إن نموذج فرعون يتكرر في كل عصر، بل ربما هو موجود على مستوى المؤسسات والأسر، فالطغيان حالة انتعاش عند مرضى النفوس، أولئك الذين تحجرت قلوبهم، وانسدت آفاق تفكيرهم، واستحكمت الغشاوة على أبصارهم، وربما أسهم منافقون من الملأ ذوي الحظوة في إشعال الفتن بين الحاكم والمحكومين، وحينها تزول هيبة هذه البلدان، لأن منطق القرآن أن القوة الحقيقية هي بتماسك المجتمع.
تسلك بعض الأنظمة منهج تفريق المجتمع وتفكيكه على عادة الاستعمار: (فرّق تسد)، ظنا منها أنها ستسوده وتخضعه، وتسلك بعضها منهج استعداء الأفراد والجماعات والأفكار، فتفرض لونا واحدا من التفكير، وهذه ديكتاتورية وإرهاب، وتكتم أفواه المعارضة وتشيطنها، وهذه ديكتاتورية وإرهاب أيضا، وتوجِد بالضرورة جيوبا وحقدا ورغبة بالانتقام ولو بعد حين، وفي النتيجة مجتمعا مفككا يائسا مكرها على الطاعة، خائفا أنانيا يبحث أفراده عن مصالحهم الذاتية، ولو بالطرق المعوجة، وهكذا تتشعب المآسي والانتكاسات، وتضيع هيبة المجتمع، ويكون لقمة سائغة عند أعدائه، فلا توجد مبادئ راسخة ولا أهداف سامية.
في مثل ظروفنا الحالية، وقد مضى على تشويه الدين والأفكار عهد طويل، ومررنا باستعمار واحتلال وفرقة وانقسام وولاءات لغير الله ورسوله والمؤمنين، لا بد من تماسك المجتمع ليكون هذا التماسك أولوية قصوى، لتحل الثقة مكان الشك، والاستيعاب بدل الاستعداء، واحترام العلاقة بين الأطراف جميعا، لتكون الحضارة الحقيقية، والولاء الحقيقي، والانتماء الحقيقي، وتقديم مصلحة المجتمع على مصلحة الفرد. فالحاكم الذي يربي مجتمع العبيد سيخذلونه بلا ريب، أما الذي يربي مجتمع الأحرار فهم القوة الحقيقية.

التعليق