غدا إن شاء الله

تم نشره في الأحد 6 آب / أغسطس 2017. 12:05 صباحاً

 في  ثقافتنا العربية يهتم الناس بالماضي أكثر من اهتمامهم بالحاضر، ورغم أننا لا نقبل على القراءة ودراسة التاريخ وتحليله إلا أننا نبقي في ذاكرتنا على مجموعة من الاحداث والقصص والروايات التي نحرص على استجرارها يوميا وإعادتها مئات المرات على هيئة سوالف او "سواليف" كما يجري تعريفها.
قصص وروايات الماضي مثيرة ومسلية، فهي محملة بالقيم والأحداث والمعاني، كما أنها تحوي حكما وامثالا ودروسا وعبرا تشد السامعين وتكسب الرواة  شيئا من الشهرة والمكانة والجاذبية والتقدير في اوساط المستمعين، ما خلق في مجتمعاتنا شخصية الراوي أو الحكواتي، وتأسس فن القصص والروايات العربية على إثر بعض الحكايات والقصص والروايات الكلاسيكية التي اصبح بعضها جزءا من الأدب والتراث العالمي؛ مصباح علاءالدين، شهرزاد وشهريار، تغريبة بني هلال، وغيرها.
الاستعداد للعب دور الحكواتي أو الراوي موجود لدى غالبية الافراد، فنحن من اكثر الشعوب التي تتعاطى مع القال والقيل وتنقل الروايات والاحداث بعد تطويرها وتبهيرها للدرجة التي قد تغيّر من جوهرها ومحتواها ومغزاها الاصلي، فكثيرا ما نستمع الى روايات وقصص فقدت عناصرها وأبطالها ومضامينها بعد ان جرى تحريفها من قبل عشرات الاشخاص الذين تناقلوها.
الى جانب ماضوية القيم والأفكار التي تحملها القصص والسواليف التي لا تمت الى ما يجري في الحاضر بصلة، فإن من غير المتوقع ان تسمع حديثا او تدخل في حوار مع أحد دون أن  يستخدم المتحدثون عبارات مثل "خليها لبكرا" او " بلكي بكرا حكيت معاه" او "غدا ان شاء الله". الحكومات تعد الشعب والنواب يعدون ناخبيهم والفنيون يعدون الزبائن والموظف يعد المراجع والامة تعد أبناءها بغد  اكثر إشراقا.
إحالة الأعمال والمهام والواجبات الى الغد والاستمرار في تأجيلها سمة عربية بامتياز، فالعقلية العربية منحازة الى التأجيل وغير مقتنعة تماما بفكرة سرعة الانجاز. ورغم عدم وجود أسباب توجب التأجيل إلا أن الموظفين والمسؤولين والتجار والمتعهدين والآباء والحكومات ومجلس النواب ومهندسي الأشغال  ومعلم الطوبار والقضاة يحرصون على الـتأجيل لأعمال يمكن أن يجري إنجازها اليوم.
في الصين يجري تنفيذ عشرات المشروعات العملاقة في عدة أيام، ويعاد وصل الجبال والأودية بأنفاق تمتد لعشرات الكيلومترات في أقل من عام، وفي بلادنا يبقى مهندس الأشغال العامة يعدك بانه سيقوم بأحد الإجراءات الأولية للتنفيذ يوم غد، وفي الغد يجدد الوعد ويكرره على مدار ثلاثة أشهر بدون أن تعرف متى سيتم الإجراء.
التراث العربي والإسلامي زاخر بالحِكم والأمثال والأقوال المأثورة التي تتحدث عن أهمية العمل والسرعة والإتقان، "لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد، و"إذا جاء أحدكم  الموت وفي يده فسيلة فليغرسها" وغيرهما من الاحاديث، إلا أن البعض يختار أن يسترشد بـ"في العجلة الندامة" او "العجلة من الشيطان".
عبارة "غدا إنْ شاء الله" تبرر الهدر الذي يعاني منه مجتمعنا في الوقت والطاقة والجهد والمال، وهي تعطي مبررا  للكسل والتباطؤ وربما الفساد. على المديرين والمؤسسات أن يضعوا معايير تحدد المستويات المقبولة للإنجاز وسقفا  للزمن اللازم  لتنفيذ مطالب الناس الخدمية بحيث لا يسمح بتجاوزه. فمن غير الممكن أن يحدث نمو اقتصادي وتقدم وجاذبية ونحن ننظر للوقت بالطريقة الراهنة. علينا أن نخفف من الهجرة للأمس والهروب للغد ونصحح علاقتنا بالحاضر.
ما الذي يمنع من أن يتم تنفيذ الخدمة خلال ست ساعات من استكمال متطلبات المعاملة، وما الذي يحول دون وجود قواعد تلزم المؤسسات باتخاذ إجراءات ضمن أطر زمنية تتجاوز مزاج وظروف وأحكام من يديرون منافذ الخدمات. ماذا لو قامت النقابات بتصنيف الحرفيين والأعضاء حسب معايير الدقة والسرعة والتسعيرة وجعلتها في متناول الجمهور!

التعليق