نضال منصور

إلغاء المادة 308 انتصار لإرادة التغيير

تم نشره في السبت 5 آب / أغسطس 2017. 11:04 مـساءً


أقر مجلس الأمة بغرفتيه؛ النواب والأعيان التعديلات التي قُدّمت على قانون العقوبات وأثارت جدلاً واسعاً.
وبكل إنصاف فإن غالبية التعديلات التي أقرت إيجابية وتعزز منظومة العدالة، وتستحق اللجنة الملكية لتطوير القضاء وسيادة القانون، والحكومة، والنواب والأعيان الشكر والثناء لهذا التوجه المقدر مجتمعياً.
منظومة التشريعات التي قدمتها اللجنة الملكية لتطوير القضاء للحكومة والبرلمان خطوة بالاتجاه الصحيح، والمضي في الإصلاح وحماية الحقوق والحريات العامة يحتاج دائماً إلى خطوات إصلاحية للتشريعات والممارسات، مع مراعاة أن تعديل التشريع وحده لا يكفي، وأن التغيير يحتاج وقتا وتضامنا مجتمعيا وليس "كبسة زر" وعصا سحرية تنبت حلولاً.
أظهر إلغاء المادة 308 من قانون العقوبات مؤشرات وإشكاليات ومواقف نحتاج إلى تدارسها وتعلم الدروس منها، وربما أول قضية برزت الحضور اللافت لمؤسسات المجتمع المدني خصوصا الحركة النسوية والحقوقية الداعمة لالغاء المادة 308، وعملها بشكل منظم وممنهج لشرح مخاطر التعديل أو الإبقاء على هذه المادة، ومدى تعارضها مع العدالة وضمان منع إفلات الجناة من العقاب.
تحرك مؤسسات المجتمع المدني ضد المادة 308 والمطالبة بإلغائها ليس وليد اليوم، بل يمتد لسنوات طويلة، ومحاولة ربطه بقضايا التمويل وأجندات خارجية أسطوانة مشروخة تلقى هوى عند من يحاولون إقصاء المجتمع المدني وشيطنته وتشويه صورته لأنهم أضعف من حجته ومنطقه المدافع عن حقوق الانسان بشكل شمولي دون اجتزاء.
إلغاء المادة 308 أظهر بشكل واضح أهمية الإرادة السياسية للدولة عندما تريد التغيير، فهي لا تنصاع إلى محاولات التخويف من أن المجتمع غير جاهز لهذه الخطوة، أو التحذير من الآثار والتبعات، مع ضرورة التأكيد أن ألغاء المادة 308 يتطلب خطوات جريئة لتعزيز منظومة الحماية.
من المهم القول إن تردد الحكومة في بادئ الأمر وعدم إعلانها موقفاً حاسماً مع الإلغاء سمح بالتشويش على موقفها، ومحاولات الترويج بأنها مع التعديل، ولولا تحرك الساعة الأخيرة قبل التصويت، والضغط على الحكومة بضرورة إعلان موقف حاسم مع الإلغاء بالتزامن مع ارتفاع صوت المجتمع المدني لكان من المرجح أن لا يمر التصويت بالالغاء.
على جميع الأطراف أن تبدأ من الآن بخطوات جادة لاستكمال عملية الإصلاح التشريعي، وليس هذا الوقت المناسب للدخول في مهاترات وصراع، والجميع شركاء في تقديم تصورات للمستقبل.
مطلوب أن نعود لندرس قوانين أخرى مثل الأحوال الشخصية والصحة العامة، ومن المهم أن نفكر بآليات تعزيز الوعي المجتمعي في التعامل مع ضحايا الاغتصاب وهتك العرض ومواقعة القاصر والتغرير بها.
لست خبيراً قانونياً، ولكن مشاركتي بفخر بالتحرك مع الحركة النسائية والحقوقية لإلغاء المادة 308 سمح لي بالاستماع للعديد من الملاحظات الجديرة بالاهتمام، وأعتقد أن وزيري التنمية الاجتماعية والعدل جديران بحمل هذه المطالب لتوضع قيد الدراسة، فالقضية ليست قانون العقوبات فقط، بل الأهم تصوّر لمشروع متكامل للحماية.
من الأفكار المهمة دراسة إنشاء دور لإيواء المعرّضات للخطر، ومن المفروض دراسة قضية الإجهاض، خصوصا للنساء اللواتي يتعرضن لجرائم الاغتصاب، ومن الضروري جداً تعديل التشريعات المتعلقة بإثبات النسب واعتماد فحص "DNA".
ولا غنى عن التذكير بأهمية الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا وأسرهن، وإعطاء مؤسسات المجتمع المدني دوراً في الإرشاد والمعالجة لأن ذلك أفضل من ترك الأمر للمؤسسات الأمنية والعقابية وحدها.
أُلغيت المادة 308 وعُدّل قانون العقوبات وهذا فخر للأردن، ومصدر إلهام للجميع بأن أحلام التغيير ممكنة وليست مستحيلة.
مستمرون في معارك كسب التأييد، فالتعديلات الإيجابية لقانون العقوبات لم تنسِنا الملاحظات السلبية، فالبرلمان لم يتعامل مع ضرورة أن لا تشمل المادة (150) النشر بوسائل الإعلام حتى لا يظل الصحفيون عرضة للتوقيف والحبس والإحالة لمحكمة أمن الدولة.
وبقلق بالغ ننظر إلى تعديل المادة (73) المتعلقة بالنشر الإلكتروني، فنحن نرى أن هذا يوسع دائرة التجريم ويهدد حرية التعبير خصوصا على مواقع التواصل الاجتماعي.
ملخص القول أن إرادة التغيير انتصرت، ووحدة المجتمع المدني علامة فارقة.

التعليق