ما لم يخبركم به الرئيس!

تم نشره في الثلاثاء 8 آب / أغسطس 2017. 11:10 مـساءً

"أكد رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي أهمية العمل على إحداث التغيير الإيجابي المطلوب في ثقافة المجتمع نحو الإقبال على فرص العمل التي يوفرها الاقتصاد الأردني في كافة القطاعات. ولفت رئيس الوزراء إلى أن الحكومة ومنذ تشكيلها رفعت شعار التشغيل بدلا من التوظيف وذلك نظرا لعدم قدرة القطاع العام على استيعاب المزيد من الوظائف، إلا في التخصصات والمهن الفنية".
هذا الكلام المجمل بحاجة إلى توضيح وتفسير ونقاشات عميقة، وربما ذلك ما لم يقله الرئيس مباشرةً؛ فالتحديات الداخلية والخارجية التي حكمت السياسات الأردنية خلال العقود الماضية تغيرت جذرياً وجوهرياً، لم تعد اليوم المشكلة في أنظمة عربية تريد أن تنقضّ علينا، وقوى محلية موالية لها، ولم يعد الدور الإسرائيلي في حسابات الدول الكبرى مسانداً لاستقرار الأردن، بل مشكلتنا اليوم في انهيار الدول المحيطة وتفكك الهويات الوطنية حولنا والمجتمعات، وفي انقلاب الموقف الرسمي العربي تجاه إسرائيل، بدعوى الدور الإيراني، ما يشجّع إسرائيل على إعادة النظر في علاقتها مع النظام الأردني بصورة جذرية.
لم تتلق خزينة الدولة أي مساعدات مالية مباشرة من الأصدقاء خلال الأعوام الأخيرة، وبالرغم من كل ما يقوم به الأردن من دور إقليمي مهم، ومن موقعه الجيو استراتيجي الحساس والخطير، والصعوبات الكبيرة التي يواجهها على مرأى من الأشقاء، فإنّ المساعدات الموعودة، وحتى الاستثمارات المنتظرة، لم تصل، وهنالك قناعة لدى "مطبخ القرار" بأنّ عهد المساعدات الخارجية السخية ولّى هو أيضاً!
داخلياً لم يعد التحدي السياسي مرتبطاً بأحزاب أيديولوجية، بالمعنى السابق، أو مخاطر ولاءات داخلية للخارج، بل أصبح النزوع نحو التطرف والراديكالية، والمخدرات، والتنمّر على القانون، والبيروقراطية المعيقة للإنجاز، والفساد الإداري، أخطر. وباتت المكانة الأخلاقية للدولة مهددة بالتفكك، والتعليم الحكومي في حالة صعبة، والتعليم الجامعي في خطر!
لم يعد التحدي بناء الدولة والقطاع العام، إذ أصبح على النقيض من ذلك التحدي الرئيس، كما ذكره الرئيس، هو إقناع الناس بانتهاء "عهد الدولة الريعية"، وعجز الدولة عن الاستمرار بتأمين الوظائف، والحمولات الزائدة في القطاع العام، والبطالة المقنعة، ورواتب العاملين والمتقاعدين التي تأكل جزءاً كبيراً من الموازنة.
لم تعد مشروعات مثل الفوسفات والبوتاس والملكية تجرّ أرباحاً وتمثّل ثروات، انقلبت بسبب سوء الإدارة والتخطيط، والسياسات الفاشلة إلى مشكلة كبيرة في الأوضاع المالية في الدولة.
اليوم نحن أمام شبح البطالة، الذي يقترب ظله من قرابة نصف الشباب الأردني (وصل إلى 40 % لشريحة الشباب) وهو في ازدياد، مع أعداد كبيرة من الخرّيجين ومحدودية فرص العمل، وحالة الحصار التي يعيشها الأردن، بصورة غير مباشرة، مع انقطاع التصدير لثلاثة أرباع الحدود!
ثقافة العيب لم تعد هي المشكلة، كما ذكر الرئيس، إذ نجد أعداداً كبيرة من الشباب الأردني يكسرها، ويعمل في المصانع والمطاعم والمقاهي وخدمة اصطفاف السيارات، لكن المشكلة هي في الثقافة العامة للدولة والمواطنين على السواء، فنحن بحاجة إلى رسالة سياسية جديد توضّح التحديات والتغيرات الجديدة، وتعيد تشكيل المفاهيم في علاقة الناس بالدولة، وتعيد ترتيب الأولويات في التعليم والعمل والتشريعات والأسواق.
 مجرّد خبر عن تصريحات لوزير المالية أدى أمس إلى عشرات التعليقات الغاضبة والساخطة على موقع الغد، ذلك يكشف أنّ هنالك مشكلة كبيرة بين رواية الدولة ورواية المواطن، وثمة فجوة عميقة في إدراك وفهم تحولات عميقة في أساس العلاقة واتجاهها المستقبلي!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تعقيب (محمد أبو رمان)

    الأربعاء 9 آب / أغسطس 2017.
    عزيزي موسى أنا أتفق معك تماماً، وجوهر فكرة المقال هي ما تقوله أنت، أننا بحاجة إلى تعديل التشريعات وبيئة العمل وإعادة هيكلة سوق العمل..الخ.
    أما بسمة الهندي فتعليقك رائع بمعنى الكلمة، أبدعت، وبالمناسبة سررت انك من مشجعي برشلونه.
  • »تعليق (موسى موسى)

    الأربعاء 9 آب / أغسطس 2017.
    يا أستاذ أبا رمان. أطعمك الله من رمّان الجنّة.
    كلامك طيّب. لكنّ المشكلة أوسع من مجرّد البطالة وكسر ثقافة العيب. هب شابّا كسر هذه الثقافة وعمل عملا يأخذ عنه 200 دينار في الشهر مثلا. ماذا سيفعل بهذه المبلغ؟ إنه إن كان من المدخنين فأكثر من نصفها سيذهب ثمنا للكيف. والباقي. هل يكفي شحن الموبايل، وثمن قميص؟ وشيء يعطى للأم أو للأب، ومقدارا يدّخر. ويدّخر لأي شيء؟ للزواج، وسكنى شقة، وو... سيحتاج الشاب إذا كان من الموهوبين في الاقتصاد والادّخار إلى سبعين سنة ليكون جاهزا للحياة والزواج.
    كان الله في العون..
  • »عفريت "ثقافة العيب" (بسمة الهندي)

    الأربعاء 9 آب / أغسطس 2017.
    مقال مهم. سأتوقف عند جزئية "ثقافة العيب" التي عندما يشير مسؤول باصبعه إليها "بيركبني مية عفريت"؛ فهي برأيي تعني "زبطنا حالنا وولادنا، وانتوا دبروا حالكم".
    مسؤولين يتحدثون عن "ثقافة العيب" وهم مهووسون بالالقاب والمسميات الوظيفية وبالامتيازات وبالسلم والهرم الاجتماعي، ويستعرضون كل أشكال الترف في بدلاتهم وكرافتاتهم وسياراتهم وأثاث مكاتبهم ومنازلهم وساعة اليد والموبايل، وبعضهم يطرز الأحرف الأولى من اسمه على قميصه (؟؟؟). ويجدون صعوبة في الاختلاط بالناس العادية ولا يقتربون منهم إلا لدواعي "العلاقات العامة". ويريدون جواز ديبلوماسي مدى الحياة. ولا يقبلون أن يتعلم ابنائهم في جامعاتنا المحلية. ويتعالجون في المستشفيات الخاصة. الخ. لم تكن مظاهر الترف عند المسؤولين كما هي اليوم.
    انظر إلى ملابس ميركل المتواضعة أو حتى بيل غيتس. أنظر إلى الوزراء في الدول الاسكندنافية الذين يتنقل بعضهم بدراجة هوائية ويحمل بعضهم معه ساندويشة أعدها في المنزل إلى الوزارة. انظر إلى المسؤولين في بريطانيا الذين يرسلون ابنائهم إلى المدارس الحكومية. والأمثلة كثيرة.
    المسؤولين عندنا هم الذين يعانون من متلازمة "ثقافة العيب".