ما ندين به للأطفال اللاجئين

تم نشره في الأربعاء 9 آب / أغسطس 2017. 11:00 مـساءً
  • أطفال سوريون لاجئون يدرسون في مدرسة لبنانية - (أرشيفية)

الياس بوصعب*

بيروت – أثارت صور اللاجئين اليائسين -وكثير منهم من الأطفال- في العام الماضي ضميرنا الجماعي، ودفعت زعماء العالم إلى اتخاذ الإجراءات. لكن سنة من الإضطرابات السياسية صرفت انتباه وسائل الإعلام عن محنة اللاجئين. وجعلنا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والهجمات الإرهابية والانتخابات الوطنية في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، جعلنا نتعامى عن حقيقة أن أزمة اللاجئين تزداد سوءا.
واليوم، أطلقت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في اليوم العالمي للاجئين عريضة "مع اللاجئين" لتذكير الحكومات بأنها يجب أن تعمل معا لإنهاء الأزمة، وهناك حاجة حقا إلى التذكير بالطبيعة الملحة لهذه القضية.
يحتاج جميع اللاجئين وطالبي اللجوء إلى المساعدة. ولكن الأطفال معرضون للخطر بشكل خاص. ولعل واحدة من أفضل الطرق للتخفيف من محنتهم هي تزويدهم بالتعليم. ومع ذلك، تكافح البلدان المضيفة التي غالباً ما تكون قريبة من مناطق الحرب في سبيل إدماج الأطفال اللاجئين في نظمها التعليمية. وهناك 3.75 مليون طفل -900.000 منهم من السوريين- من بين اللاجئين المسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بمن فيهم اللاجئون الفارون من أفغانستان والصومال، غير ملتحقين بالمدارس، حيث تبلغ فرصة حرمان طفل لاجئ من التعليم خمس مرات أعلى من المتوسط العالمي.
يشكل ذلك وصمة عار على جبين المجتمع الدولي، لأن من المهم أن يحصل الأطفال اللاجئين على التعليم حتى يتمكنون يوما ما من العودة إلى بلدانهم الأصلية بالمهارات والمعارف اللازمة لإنشاء دول ناجحة. وهذا بالضبط ما تريده إحدى الفتيات اللاجئات التي التقيت بها. وقالت لي عندما سألتها عن خططها المستقبلية أن حلمها هو أن تصبح مهندسة حتى تتمكن من إعادة بناء بلدها.
يشكل التعليم أيضاً أداة حيوية لمكافحة التطرف العنيف الذي يمكن أن يأسر عقول الشباب الذين بلا أمل في المستقبل، كما أن الحضور المدرسي ضروري لرعاية الأطفال لأنه يمنحهم إمكانية الحصول على خدمات الرعاية الصحية الأساسية، ويحميهم من أهوال عمل الأطفال والدعارة.
لحسن الحظ، تضيف بلدان مثل اليونان، الواقعة على الخط الأمامي لأزمة اللاجئين في أوروبا، أحكاما تعليمية أكثر إستدامة لنموذج رعاية اللاجئين لديها. ولكن في لبنان، كان علينا اللجوء إلى التفكير الإبداعي لإستيعاب تدفق اللاجئين من سورية.
كان نظام التعليم في لبنان عندما وصل اللاجئون السوريون لأول مرة  بحاجة أصلاً إلى الإصلاح والتحسين. ويستضيف لبنان الآن نحو مليوني مهاجر، منهم 1.5 مليون لاجئ سوري، بالإضافة إلى سكانه الذي يصل عددهم إلى 3.75 مليون نسمة، حيث يوجد في لبنان لاجئ واحد لكل اثنين من المواطنين، وهو ما تسبب في زيادة كبيرة في الطلب على الخدمات العامة، مثل الرعاية الصحية والتعليم.
لذلك، اضطرت الحكومة اللبنانية -بالإضافة إلى 250.000 طالب لبناني في نظام المدارس الحكومية- إلى إيجاد وسيلة لتعليم 450.000 طفل سوري. وللمساعدة في تلبية هذه الحاجة، قمنا بإنشاء مبادرة "الوصول إلى جميع الأطفال من أجل التعليم"، والتي تركز على تحسين فرص حصول اللاجئين السوريين واللبنانيين المحرومين على التعليم الرسمي.
لأن من المهم أن يتم توفير التعليم لجميع الأطفال، كان علينا أن نستخدم مواردنا إلى أقصى درجة. واليوم يتلقى العديد من اللاجئين السوريين في سن الدراسة تعليمهم من نفس المعلمين الذين يقومون بتدريس أقرانهم من اللبنانيين، وتستخدمالعديد من مدارسنا فترات الدوام المدرسي الصباحية وما بعد الظهر من أجل استيعاب اللاجئين.
لقد استوعب لبنان حتى الآن بالفعل حوالي
40 % من جميع الأطفال اللاجئين في سن المدرسة المسجلين في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ويكلف هذا الإنفاق سنويا حوالي 343 دولارا لكل طفل سوري يدرس في الفترة الصباحية، و550 دولارا للطفل في فترة ما بعد الظهر. وليس من الإنصاف أن يتحمل لبنان هذا العبء وحده، كما أن من غير الممكن إدامة ذلك.
على الرغم من أن مؤتمر دعم سورية والمنطقة في لندن سنة 2016 حصل على تعهدات بتقديم مساعدات قيمتها الإجمالية 12 مليار دولار، فإن الكثير من هذه الأموال تأخرت كثيرا أو أنها لم تأتِ قط. وقد كشفت دراسة حديثة أجرتها مؤسسة "ذير وورلد" الخيرية للأطفال أنه تم تسليم 400 مليون دولار فقط من أصل 1.4 مليار دولار تم التعهد بها لغايات التعليم.
من الصعب تأكيد ما إذا كانت الحكومات تفي بتعهداتها أم لا، ولكن أصبح من الواضح تماماً أن المجتمع الدولي يتحرك ببطء، ولا يمكننا الاستمرار في بدء ووقف تعليم الأطفال أثناء انتظار التمويل. وكلما طالت فترة بقاء الأطفال خارج المدرسة، كلما أصبح من الصعب إعادتهم إلى الفصول الدراسية وإلى المسار الصحيح لإكمال دراستهم.
يحتاج المجتمع الدولي -إلى جانب الوفاء بالتزاماته المتعلقة بالتمويل- إلى زيادة استثماراته في تكنولوجيات التعليم المتنقلة والقابلة للتطوير. فعلى سبيل المثال، ستكون أدوات التعلم عن بعد مفيدة بشكل خاص لتعليم الأطفال في مجتمعات اللاجئين، حيث سيتمكن أي معلم جيد من الوصول إلى أي مكان يحتوي على تكنولوجيا الأقمار الصناعية وأجهزة الكمبيوتر التي تعمل بالطاقة الشمسية، وبث مباشر تفاعلي.
هذه هي الفكرة التي يقوم على أساسها برنامج التعليم للوصول إلى الفصول الدراسية النائية، وهو برنامج للتعليم عن بعد بتمويل من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التي تشرف عليها مؤسسة فاركي. ويمكن  باستخدام هذا البرنامج لمعلم في استوديو في العاصمة الغانية، أكرا، أن يعطي دروسا مباشرة لحوالي 300 طفل لاجئ في سن المدرسة، والذين هرب الكثير منهم من الصراع في ساحل العاج، وهم يتلقون تعليمهم الآن في مدرسة ابتدائية في مخيم أمبين للاجئين في غرب غانا. ويلتحق هؤلاء الأطفال المشردون الآن بالتعليم الأساسي بينما يتعلمون أيضاً لغة البلد المضيف، وسيكونون في وضع جيد لمتابعة التعليم الثانوي أو العالي في المستقبل.
يبين برنامج التعليم للوصول إلى الفصول الدراسية النائية ما يمكن للحكومات والجمعيات الخيرية والقطاع الخاص تحقيقه من خلال التعاون الإبداعي. لكن على السياسيين تحمل مسؤولياتهم والتحرك، وينبغي للقادة في جميع أنحاء العالم -وخاصة الذين انتخبوا مؤخرا- أن يضعوا أزمة اللاجئين العالمية على رأس جداول أعمالهم.
لهذه الغاية، كنت فخورا بالانضمام إلى مجموعة "أتلانتس" كعضو مؤسس. وسوف نجمع معا بعد إطلاق المنتدى العالمي للتعليم والمهارات هذا العام وزراء التعليم ورؤساء الدول السابقين من جميع أنحاء العالم لتقديم المشورة للحكومات وصانعي السياسات حول معالجة القضايا الرئيسية في عصرنا -وليس أقلها تعليم اللاجئين.
لا يمكن أن يتوقع العالم أن تتحمل مجموعة صغيرة من البلدان الواقعة على حدود مناطق الحرب المسؤولية الوحيدة عن المشردين، ويجب على البلدان المحظوظة بما في الكفاية لتحصل على الأمن والسلام أن تقوم بدورها لحل أزمة اللاجئين.

*وزير تعليم سابق في لبنان.
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق