سورية: الطريق إلى المجهول

تم نشره في الخميس 10 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً

تشارلز غلاس – (ستراتفور) 26/7/2017

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

عندما كنتُ أعيش في ريف ايرلندا قبل سنوات، بدأت نكتة جميلة بسائح أميركي يوقف مزارعا محليا ويسأله عن الطريق إلى كورك. وقد فكر المزارع لحظة قبل أن يجيب: "حسنا، لو كنت في مكانك، لما كنت لأذهب إلى هناك من هنا". وليس لدى كل من ينصح واشنطن إزاء الوجهة التي يجب أن تسلكها في سورية خيار سوى الاعتراف بأنه مرتبك وضائع، مثل ذلك السائح في جزيرة الزمرد.
ومع ذلك، فإن أحد الأماكن التي يمكن البدء منها هي لبنان. في الأسابيع الأخيرة، قاتل حزب الله اللبناني الشيعي من أجل إزالة الجهاديين المنتمين إلى تنظيمي "داعش" وجبهة النصرة سابقا من الجانب السوري من الحدود. وفي داخل لبنان، قام الجيش، بمساعدة بريطانية، بإغلاق الحدود ضد غارات من النوع الذي شهده البلد في العام 2014، عندما استولى تنظيم "داعش" على قرية عرسال السُنية إلى حد كبير وخطف أكثر من 20 جنديا ورجل شرطة لبنانيا. وفي شهر تموز (يوليو)، قام الجيش اللبناني، ومعه على الجانب الآخر من الحدود، قوات التحالف التابعة لحزب الله والجيش السوري، بوضع الجهاديين بين فكّي كماشة. وسواء كانت الجيوش اللبنانية والسورية قد تواطأت في ذلك المشروع أم لا، فإنها تزيل الإرهابيين من المنطقة كما يبدو.
في العام الماضي، تخلى حزب الله، الذي كان يسيطر على الحدود اللبنانية مع سورية لسنوات، عن قاعدة تلو الأخرى للجيش اللبناني. وقام الجيش بدوره ببناء حصون وأبراج مراقبة لمنع التسلل الإرهابيين من سورية، مع السماح لحزب الله بحرية الوصول ذهاباً وإياباً لمساعدة قوات الرئيس السوري بشار الأسد. وقد عملت هذه الاستراتيجية جيدا في لبنان الذي لم يصبح، كما خشي الكثيرون، مسرحاً ثانياً للحرب الأهلية السورية. ومع ذلك، أعلنت الولايات المتحدة مؤخرا عن عزمها خفض ميزانية التمويل العسكري الأجنبي للبنان من 85.9 مليون دولار في العام الماضي إلى لا شيء على الإطلاق.
استخدم لبنان الأموال لتدريب جيشه، ورفع مستوى أسلحته وتحديثها، ونشر طائراته المقاتلة وطائراته من دون طيار لمراقبة الإرهابيين القادمين بالقرب من أراضيه. ومن دون وجود الجيش اللبناني على طول الحدود وسيادة الدولة التي يمثلها، يمكن لوادي البقاع الواقع في شرق البلاد أن يعود إلى حالته التي كان عليها في السبعينات والثمانينيات. وفي تلك الأيام، كان مقاتلو أبو نضال المدعوم من الليبيين وخاطفو حزب الله يتجولون هناك بحرية. وقد تخلص لبنان من هذا النوع من الأشياء منذ انتهت حربه الأهلية التي استمرت 15 عاما في العام 1990. لكن وجود دولة وجيش ضعيفين سيترك خلفهما فراغا في السلطة، وسوف تدعو الحدود المفتوحة الإرهابيين الذين يخسرون في سورية والعراق إلى الفرار إلى لبنان.
منذ بدء الحرب الأهلية السورية في آذار (مارس) 2011، انتهجت الولايات المتحدة سياسات لا يمكن أن توصف بغير "الفصام". فمن ناحية، عارض الثوار المدربون على يد وكالة الاستخبارات المركزية الأسد. ومن جهة أخرى، لم ترغب الولايات المتحدة في أن يسود الإرهابيون في سورية، وأن يحولوا دمشق إلى قاعدة للتخريب العالمي. لكن الإرهابيين كانوا أفضل المقاتلين في المعركة ضد الأسد. وإذا أرادت واشنطن خروج الرئيس السوري، فقد كان عليها أن تدعمهم -كما فعلت السعودية وقطر وتركيا- أو إرسال المزيد من القوات الأميركية، كما فعل جورج دبليو بوش في العراق في العام 2003. ولم يرغب أحد في تنفيذ غزو أميركي آخر لبلد عربي.
أرسلت الولايات المتحدة قوات لدعم الميليشيا التي يقودها الأكراد، قوات سورية الديمقراطية، في شمال شرق سورية. وفي حين أن الأكراد أخذوا الأراضي التي يعيش فيها عدد كبير منهم، فإنهم تعدوا ذلك أيضاً إلى دخول مناطق عربية لا يلقون فيها الترحيب. وعلاوة على ذلك، أبقى الأكراد صلاتهم مفتوحة مع الحكومة السورية، على أساس اعتقاد مبرر بأنها ستفوز في الحرب وتعيد فرض سيادة الدولة على جميع أنحاء البلاد. ويبدو أن معظم الأكراد السوريين يدركون أن الولايات المتحدة سوف تتخلى عنهم فور طردهم تنظيم "داعش" من الرقة والصحراء المحيطة بها، ولو كان ذلك فقط لإرضاء الرئيس التركي المناهض للأكراد، رجب طيب أردوغان.
يفترض السؤال عن الوجهات التي ينبغي أن تذهب إليها الولايات المتحدة من هنا مسبقاً أن عليها الذهاب إلى أي مكان، وعليها أن تفعل شيئا، وعليها أن تختار جانباً لتصطف معه. وقبل بدء الحرب، كانت سورية حليفاً لإيران وروسيا. وقد تسببت الصلة الإيرانية، بما فى ذلك دعم سورية لوكيل طهران، حزب الله، في إغاظة الولايات المتحدة بشكل خاص. وفي السنوات الست الماضية، أصبحت سورية أكثر اعتماداً على إيران وروسيا -وهو اعتماد سيتعمق فحسب طالما استمرت الحرب. وهكذا، كانت سياسة محاولة فطام دمشق عن طهران وموسكو فشلا واضحا. وكانت استراتيجية استخدام وكالة المخابرات المركزية لمساعدة أعداء الأسد إشكالية منذ البداية، وبرهن الاعتقاد بأن الثوار المسلحين الذين دربتهم وكالة المخابرات المركزية في جنوب شرق تركيا لن ينضموا إلى المنظمات الإرهابية، برهن أنه كان ضرباً من الوهم. وقد عكست إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للتوّ وجهة السياسة التي انتهجهتها الإدارة السابقة لمساعدة المتمردين السوريين. وكتبت صحيفة "نيويورك تايمز" في 19 تموز (يوليو) الماضي أن "المسؤولين في إدارة أوباما اعترفوا بأنها لا توجد وسيلة للتنبؤ بالولاءات المستقبلية للثوار الذين تلقوا أسلحة أميركية، على الرغم من إجراء عملية فحص وتدقيق طويلة".
كان الثوار السوريون -وخاصة في محافظة إدلب، حيث تجمع الكثير منهم منذ مغادرة المناطق التي سلموها للحكومة- يتقاتلون فيما بينهم. وفي الحقيقة، كانوا قد انقسموا منذ البداية. ويدرك معظم السوريين أن الجماعات المتنافسة تقوم بتنفيذ عطاءات لصالح أي بلد يدفع لها، من دون أخذ رغبات السكان المحليين بعين الاعتبار. وثمة كتاب جديد كاشف، يضم مقابلات أجريت مع مواطنين سوريين، هو كتاب ويندي بيرلمان المعنون "لقد عبرنا جسراً، وهو يهتز"، والذي ينقل عن مقاتل يدعى عبد الحليم من الجيش السوري الحر المعتدل، قوله: "كنا مجرد مجموعة من الأصدقاء، ثم بدأت الدولارات بالتدفق إلى جيوب القادة. الأخيار قُتلوا أو دُفعوا إلى الهوامش. والأشرار أصبحوا أكثر قوة".
إذن، إلى أين تذهب واشنطن من هنا؟ هل الهدف هو إنهاء الحرب السورية أم هزيمة حكومة الأسد؟ إذا كان الأول هو الهدف، فيجب على الولايات المتحدة وروسيا العمل معاً لإقناع إيران، والحكومة السورية، وألفٍ أو نحو ذلك من ميليشيات المتمردين، بالموافقة على شروط حل. وإذا كان الأمر الثاني هو الهدف، فسوف يتطلب الأمر أكثر من مجرد وضع صيغة مستهلَكة لمساعدة الثوار المعتدلين على ضرب جيش الأسد المدعوم من روسيا، بينما يتصيدهم الإرهابيون من ظهورهم. ومثل ذلك المزارع الأيرلندي، ما كنتُ لأريد الذهاب إلى أي مكان من حيث نقف الآن.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Syria: The Road to Nowhere

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق