تمويل التعليم للجميع

تم نشره في الجمعة 11 آب / أغسطس 2017. 12:10 صباحاً
  • طلبة في إحدى المدارس الأفريقية - (أرشيفية)

ستيفن جيه. كليس*

كوليدج بارك، ماريلاند- تمثل أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر التي أقرتها الأمم المتحدة التزاماً غير عادي من جانب المجتمع الدولي بالقضاء على الفقر وتحسين الصحة، والبيئة، والتعليم، وغير ذلك الكثير في جميع الدول بحلول العام 2030. والهدف المرتبط بالتعليم واضح وصريح: "ضمان التعليم الجيد الشامل والعادل، وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع".
ولكن، من المؤسف أننا بعيدون كثيراً عن تحقيق هذا الهدف، وخاصة في البلدان النامية. وما يزال أكثر من 250 مليون طفل من أصل 1.6 مليار طفل في العالم غير ملتحقين بالمدارس، ويفتقر 400 مليون طفل إلى معرفة مهارات القراءة والكتابة الأساسية. وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فلن يجد نصف كل الأطفال بحلول العام 2030 المهارات الأساسية اللازمة للعمل.
تتلخص المشكلة الأساسية في نقص الموارد. ففي حين قد تتمكن الدول النامية من تمويل أكثر من 90 % من احتياجاتها لضمان تمكين الجميع من الحصول على التعليم الابتدائي والثانوي الجيد، تظل هناك فجوة تمويل ضخمة قائمة، والتي سقترب من 40 مليار دولار في العام 2020، ونحو 90 مليار دولار بحلول العام 2030، ولا بد من سد هذه الفجوة عن طريق المساعدات الدولية.
كان حل هذه المشكلة هو هدف اللجنة الدولية لتمويل فرص التعليم العالمي (لجنة التعليم)، التي يترأسها رئيس الوزراء البريطاني السابق، غوردون براون، والتي تضم شخصيات لامعة في عالَم الأعمال، وفي الحكومة والأوساط الأكاديمية. غير أن التوصيتين الرئيسيتين الصادرتين عن لجنة التعليم منحرفتان، وينبغي الاستعاضة عنهما بحلين آخرين. فلن يكون تحقيق أي منهما سهلا على المستوى السياسي، ولكن كل من التصويتين ضروري لتمويل أهداف التنمية المستدامة.
كان الاقتراح الأول للجنة التعليم هو الاعتماد على "محبي الخير، والشركات، والمنظمات الخيرية" لزيادة مساهماتهم السنوية في المساعدات لترتفع من ملياري دولار اليوم إلى 20 مليون دولار بحلول العام 2030. ومن غير المرجح أن يحدث هذا. وجوهر المشكلة هنا هو أن عمل الخير ليس وسيلة مسؤولة لتمويل السياسات العامة. وكما تبين دراسة حديثة، تميل جهود إصلاح التعليم الخيرية إلى قِصَر النظر، وهي غير منسقة، كما أنها تأتي بحافز الاهتمامات الذاتية، ولا تسهم في نهاية المطاف إلا بقدر ضئيل من دفع أولويات التعليم إلى الأمام.
ويتمثل الاقتراح الثاني للجنة التعليم في تشكيل مرفق التمويل الدولي للتعليم، والذي يشرف عليه البنك الدولي وبنوك التنمية الإقليمية المختلفة. وبموجب مشروع مرفق التمويل الدولي للتعليم، تقترض بنوك التنمية من أسواق رأس المال لزيادة استثماراتها السنوية في التعليم بنحو 10 مليار دولار بحلول العام 2020، وبنحو 20 مليار دولار بحلول العام 2030.
تكمن المشكلة الأساسية في هذا النهج في أنه ليس من اختصاص البنك الدولي قيادة جهود إصلاح التعليم. وكما يُظهِر عملي البحثي، فإن البنك الدولي كان بالفعل يسيء توجيه إصلاح التعليم في البلدان النامية لثلاثة عقود من الزمن، من خلال التأكيد على زيادة الخصخصة وتحديد النتائج التعليمية بدقة، والمساءلة على أساس الاختبارات المفرطة في الشدة.
يشبه نهج أصولية السوق الذي يتبناه البنك الدولي في التعامل مع التعليم (وغيره من القطاعات) ذلك النهج الذي تتبناه المراكز البحثية اليمينية، مثل معهد كاتو أو مؤسسة التراث. ولكن، وعلى الرغم من أن مثل هذه المنظمات معروفة بكونها حزبية وتلاحق أجندة إيديولوجية، فإن البنك الدولي يبدي مظهر الموضوعية والشمول. وبالإضافة إلى ذلك، وعلى عكس معهد كاتو أو مؤسسة التراث، يُعَد البنك الدولي كياناً عاماً ممولاً بالضرائب، ويمارس قدراً كبيراً من النفوذ في مختلف أنحاء العالَم من خلال ما يقدمه من منح وقروض وتوصيات متعلقة بالسياسة العامة.
سوف تصاب أجيال المستقبل بالذهول من الكيفية التي سمحنا بها للبنوك بتحديد الأولويات التعليمية وغيرها. وبدلاً من تسليم مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي المزيد من السلطة، فإننا نحتاج إلى عقد مؤتمر بريتون وودز جديد لجعل هذه المؤسسات خاضعة للمساءلة الديمقراطية، وأقل إيديولوجية.
في ظل الوضع الحالي، يشبه البنك الدولي غوريلا وزنها 500 رطل مسؤولة عن مؤسسة المساعدات الدولية، ومن الواضح أن مرفق التمويل الدولي للتعليم المقترح أشبه بوضع هذه الغوريلا على المنشطات. ومن شأن هذا أيضاً أن يحول تنسيق المساعدات في مجال التعليم إلى كابوس إداري رهيب. فبالإضافة إلى الشراكة العالمية للتعليم، التي تركز على الدول منخفضة الدخل، وصندوق "التعليم لا يمكن أن ينتظر" الذي أنشئ حديثاً، والذي يركز على الدول التي تمر بحالات طوارئ إنسانية، سوف يصبح لدينا هيئة ثالثة تركز على الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
ليس من المنطقي أن تتنافس ثلاث مؤسسات متعددة الأطراف على التمويل. وكما أَكَّد لفترة طويلة جيفري ساكس من جامعة كولومبيا، فإننا في احتياج إلى صندوق عالمي واحد للتعليم، والذي يعمل على تحقيق هدف التعليم من بين أهداف التنمية المستدامة، ومن الممكن أن يعمل كشراكة عالمية مجددة للتعليم. وفي حين سيهيمن المانحون على عملية اتخاذ القرار في مرفق التمويل الدولي للتعليم، فإن الشراكة العالمية للتعليم تعمل على نحو أكثر ديمقراطية، مع منح التمثيل المتساوي للدول المانحة والمتلقية، وفي ظل مشاركة قوية من منظمات المجتمع المدني. وعلى الرغم من أن الشراكة العالمية للتعليم ما تزال تعتمد بإفراط على البنك الدولي، الذي يشرف على 80 % من مِنَحه، فإن هذا الواقع يمكن أن يتغير.
بدلاً من مرفق التمويل الدولي للتعليم المقترح، نحن في احتياج إلى أمرين: يتعين على الدول الثرية أن تحترم التعهدات التي بُذِلَت في العام 1970، وما تزال تتكرر منذ ذلك الحين، بتخصيص 0.7 % من الناتج المحلي الإجمالي لمساعدات التنمية الرسمية. وفي حين تلتزم قِلة من الدول بهذه التعهدات، فإن أغلبها تظل بعيدة عن ذلك كل البعد. ومن خلال الوفاء بوعود الماضي فقط، تستطيع الدول الثرية أن تغلق فجوة تمويل التعليم، وأن تغطي كل احتياجات تمويل أهداف التنمية المستدامة الأخرى أيضاً. وعلى النقيض من هذا، تسمح لجنة التعليم للدول الثرية بالتهرب من التزاماتها، من خلال مطالبتها بتخصيص 0.5 % فقط من الناتج المحلي الإجمالي لمساعدات التنمية الرسمية، وليس حتى العام 2030.
ثانياً، نحن في احتياج إلى نهج عالمي في التعامل مع الضرائب. فكما أشرت أنا وزميلي في تقرير أعددناه لصالح لجنة التعليم، من الممكن أن تعمل إصلاحات ضرائب الشركات على القضاء على التهرب الضريبي، الذي يكلف الاقتصاد العالمي أكثر من 600 مليار دولار سنوياً. ولتحقيق الإصلاحات اللازمة، نحتاج إلى زيادة قدرة الأمم المتحدة بدلاً من الاعتماد على منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي اقترحت تغييرات طفيفة.
كمما أننا في احتياج أيضاً إلى فرض ضريبة ثروة عالمية، كما اقترح الباحث الاقتصادي توماس بيكيتي. ومن المؤسف للغاية أن أغنى ثمانية أشخاص في العالَم يملكون من الثروة القدر نفسه الذي يملكه أفقر 50 % من سكان العالَم. ومثل إصلاح ضرائب الشركات والوفاء بوعود الماضي لتمويل مساعدات التنمية الرسمية، فإن ضريبة الثروة العالمية بنسبة 1 % كافية لتمويل كل أهداف التنمية المستدامة مجتمعة.
تمثل أهداف التنمية المستدامة التزاماً عالمياً غير عادي، وأكبر حتى من الأهداف الإنمائية للألفية التي سبقتها. ولكن، إذا كان المجتمع الدولي جاداً في تلبية هذه الأهداف، فيتعين عليه أن يفعل شيئاً غير مسبوق: تحويل الكلمات والوعود إلى أموال حقيقية.

*اقتصادي، وأستاذ سياسات التعليم الدولي في جامعة ميريلاند، والمؤلف المشارك لكتاب، "البنك الدولي والتعليم: الانتقادات والبدائل".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق