موفق ملكاوي

مهنة الكتابة!

تم نشره في الجمعة 11 آب / أغسطس 2017. 12:07 صباحاً

لا توجد مهنة في العالم العربي استبيحت مثلما هو الحال في مهنة الكتابة. مهنة تسلّق عليها جميع الأصناف؛ الأميون والوصوليون والفاشلون الباحثون عن ألقاب بلا تعب، ومغامرون أرادوا اقتناص فرص سانحة.
استباحة هذه المهنة في العالم العربي جاءت قبل فوضى الكتابة الإلكترونية وتجليات النرجسية العربية التي أظهرت أمراضنا بأوضح صورها، فرأينا أن عالمنا الفاشل المتخلف تحول بين ليلة وضحاها إلى أمة من الكتاب والباحثين والمفكرين، وبات لقب الكاتب والروائي والقاص والشاعر يزين مئات آلاف الحسابات الإلكترونية.
قديما، جاءت الاستباحة من ميسورين تجرأوا على كلف طباعة الكتب كلما خطرت فكرة رديئة على بالهم. كتب تأتي بأغلفة جميلة ومحتوى رديء، وتقام لها حفلات إشهار كبيرة يحضرها الجميع، ما عدا الكتاب الحقيقيين. المعيار الوحيد لعملية الإنتاج تلك كان المقدرة المالية التي أهّلتهم لإصدار كتبهم، بينما كثير من المبدعين الحقيقيين لم يكن بمقدورهم ذلك.
استباحة عالم الإبداع لم تقف عند هذا الحد، بل تعدته نحو الدفع لبعض النقاد من "تجار الشنطة" لتناول كتاباتهم "العظيمة" بـ"كتابات نقدية سمجة" لا تؤسس لأي معرفة، ولا تقول جملة مستقيمة واحدة، تنشر في مجلات يفترض أن تكون ثقافية، غير أن المجاملات المدمرة حولتها إلى "مجلات حائط"، لكن المهم في ذلك، أن أولئك المدعين يصبحون نجوما خلال سنوات قليلة.
هذه بعض أوجه الرداءة وطرق تكريسها، بما يؤدي في النهاية إلى تهميش الإبداع الحقيقي لمصلحة حالة رخوة تتأسس على المجاملات والإخوانيات والمصالح النفعية، والمصيبة أن المؤسسات التي تعنى بالإبداع تتورط في هذه الصناعة من خلال دعم المتسربين إلى المهنة التي من المفترض أن تكون خاصة بالإبداع والمبدعين، لذلك نرى الكثير من الكتب الرديئة التي دعمتها جهات ثقافية مختلفة، والكثير من المنابر التي يتصدرها رديئون، كما نرى هيئات ثقافية تدرج في عضويتها أسماء عديدة لا علاقة لها بالثقافة والإبداع.
لكن الأمر تعدّى هذه الجهات في السنوات الأخير، فالمبدع الحقيقي الذي شعر بالعزلة على مدى العقود الماضية، ساهم هو الآخر في حالة الخراب تلك، وذلك من خلال انفتاحه على مواقع التواصل الاجتماعي حين عرف أهميتها في إدامة الصلة مع الجمهور، فاعتمدها من باب "ما يريده الجمهور"، وراح ينتج نصوصا مختزلة ورديئة، على شكل مقولات مبتسرة خالية من الإبداع، مقلدا فيها الجمهور نفسه، ومستجديا فيها الإعجابات والتعليقات.
دائرة الخراب اكتملت بذلك، وبات يتصدرها مبدعون معروفون كانوا تكرسوا على مدى سنوات طويلة، واليوم يعمدون إلى هزّ صورتهم من خلال عدم الاتزان الذي يمارسونه، ومن خلال الانفصال عن الواقع، والابتعاد عن القضايا الجوهرية التي تفرض نفسها على عالمنا.
الحقيقة أن هذا الأمر لا تتحمل مسؤوليته جهة بعينها، بل هو مجموع الخراب الذي يعم الساحة بكاملها، وهو مسؤولية الحالة الرخوة القائمة في المنطقة الرمادية، بدءا من غياب معايير للنشر، مرورا بالكتابات النقدية الجوفاء والإخوانية والمدفوعة، ومجاملات العضوية في الهيئات الثقافية التي تنطلق من مصالح ضيقة تتأسس على المناطقية والمعارفية والأيديولوجيا، وغيرها من العلاقات التي لا يكون الإبداع منطلقها، فضلا عن عدم امتلاك المؤسسة الثقافية الرسمية منظورا حقيقيا لماهية الإبداع والثقافة، مرورا بالمجتمع الذي أصبح غير معني بكل هذا النقاش.

التعليق