عيسى الشعيبي

الزيارة الملكية.. ثلاثة أصوات مختلفة

تم نشره في الخميس 10 آب / أغسطس 2017. 11:06 مـساءً

بعد أن اشبع المعلقون والكتاب الزيارة الملكية الى رام الله بالبحث والتحليل، على مدى الايام القليلة الماضية، وقرأوا فيها جيداً مغزى التوقيت اللافت، واهمية المضمون وجدوى الحدث، فات غير المتابعين عن كثب للوقائع التفصيلية، وغير المنشغلين بالتداعيات المباشرة، التقاط ثلاثة اصوات مختلفة، سُمعت خلال وبعد هذه الزيارة، في صورة ردود افعال تباينت بتباين مصادرها، وتراوحت بين من رحب واغتبط، وبين من تحفظ واغتاظ من مجرد رؤية المشهد الحافل بالرسائل السياسية.
كان الصوت الاول صادراً عمن خاطبتهم هذه الزيارة المثيرة للعواطف الشخصية  والانفعالات الشعبية، وكان صوتاً مرحباً ومحتفياً برؤية الملك عبدالله الثاني في العاصمة السياسية المؤقتة للدولة الفلسطينية العتيدة، عبّر عنه الناس الذين تحدثوا دون تكلف مع محطات التلفزة، ناهيك عن التصريحات المتواترة على ألسنة القادة والمسؤولين، الذين ادركوا كل ما انطوت عليه هذه الزيارة من دعم ومساندة، كانوا في امس الحاجة لها وسط كل هذه الظروف الصعبة والتطورات غير المواتية.
اما الصوت الثاني فكان صوتاً اسرائيلياً غاصّاً بالحرج ومليئاً بالغيظ المكتوم، ولعل التقرير الذي نشرته صحيفة يديعوت احرنوت كان خير معبر عنه، حيث رأت الصحيفة الأكثر انتشاراً في الدولة العبرية، ان الزيارة التي اعطت الرئيس الفلسطيني ريح إسناد قوية، أتت والعلاقة الاردنية مع اسرائيل في الدرك الاسفل، وان الحرم القدسي كان في مركز القلب من المشاورات بين الملك الغاضب والرئيس المحاصر.
غير أن ما حمل كاتب هذه السطور على تعداد هذه الاصوات المتباينة، وتسليط الضوء اللازم عليها، كل على حدة، كان الصوت الثالث المستهجن الصادر عن الاوساط الاعلامية لحركة حماس، التي بدت اشد غيظاً واكثر مما اشارت اليه الاوساط الاعلامية الاسرائيلية، إن لم نقل انها كانت اعمق اضطراباً ممن لا يجدر بهم بتاتاً الامتعاض وابداء السخط الساذج ازاء هذه الزيارة، التي كانت في توقيتها برداً وسلاماً على الشعب الفلسطيني.
فبحسب صحيفة "الرسالة" الالكترونية شبه الرسمية للحركة المأزومة في قطاع غزة، فإن هذه الزيارة تشير الى ازمة مشتركة بين عمان ورام الله وتل ابيب، وان ما جرى هو تنسيق بين مضطرّين اثنين، حيث استضافت الصحيفة واستنطقت معلقين مغمورين، توحدهم روح الكراهية، كي ينضحوا علينا ما في نفوسهم مياهاً عادمة من التعليقات، التي يستحي المرء من مجرد ذكرها، احتراماً للنفس وللغير.
لا يحتاج العارف عن قرب شديد بطينة الناس في الضفة الغربية، ولا يعوز الملم بمزاجهم السياسي عن كثب، بذل عناء كبير كي يفهم اصل وفصل تلك العواطف الجياشة، التي قابل بها المواطنون العاديون الزيارة الملكية بكل الود والاحترام، حيث وفرت لهم سانحة كي يعربوا للإعلام عن ترحيبهم بالملك، وعن تأكيدهم على عمق العلاقة التاريخية القائمة بين الشعبين على كلا ضفتي النهر.
 وايضاً لا يعوز المتابع للشؤون الاسرائيلية عن بعد، اكثر من قراءة ترجمات الصحافة العبرية، المنشورة يومياً، كي يفهم سبب ذلك الحنق العالق كالشوكة الحادة في حلوق القوم لمجرد وقوع هذا الحدث في حد ذاته، ويدرك العارف لماذا يتميز هؤلاء المتغطرسون غضباً دفيناً وهم يقرأون الزيارة بعين من اعتقد انه استفرد بالقيادة الفلسطينية، وأطبق عليها الحصار في المقاطعة، دون اعلان عن ذلك.
اما ان تتخذ حماس موقفاً سلبياً، اقل ما يقال انه معيب، وانه يتناغم مع الموقف الاسرائيلي موضوعياً، فذلك امر لا يمكن فهمه الا على قاعدة العقلية الحمساوية الإلغائية، التي ترى ان كل تعزيز لموقف القيادة الفلسطينية يشكل خسارة صافية لسلطة الامر الواقع في غزة، الواقعة ضحية خياراتها البائسة، ورهاناتها المتآكلة، بما في ذلك رهانها الأخير اليائس على نظام الولي الفقيه في طهران.
على اي حال، كان ترحيب الفلسطينيين وتثمينهم العالي لزيارة الملك عبدالله الثاني، امراً من قبيل تحصيل الحاصل، كون هذه الزيارة جاءت في ساعة من ساعات الشدة كبلسم على الجرح الراعف، وكان تبرّم الاسرائيليين بها له ما يبرره، اما انزعاج اصحاب الصوت الثالث، وهو صوت ناشز بكل المعايير، فإنه من قبيل شراء العداء السياسي وجلب الكراهية دون مسوّغ، إنْ لم نقل انه موقف مجاني لا يقدّم ولا يؤخر.

التعليق