فضيحة الألوان

تم نشره في السبت 12 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً
  • › مقالات سابقة

عرفت الألوان في وقت متأخر ...
فقد قضيت أكثر من نصف عمري بالأبيض والأسود !
في طفولتي كان صعباً أن أطلب من أبي ، البائع المتجول في ذلك الوقت ، أن يشتري لي علبة “ تلاوين “ ، وفي شبابي لم تفلح فساتين كثيرة فاقعة الألوان بتلقيني لونا آخر غير الأسود الذي كانت تفضله أمي ... حتى لصباحات الأعياد !
كانت كراكيب البيت بلا لون ، أو كاحتة الألوان ، ونساء المخيم عموماً كُنَّ يتجنبن الألوان الفاضحة ...(  والفاضح في ذلك الوقت أي لون من غير مشتقات الأسود ) ، وحيطان الغرفة الوحيدة من اسمنت غامق لا يطاله ترف الطلاء ، وتلفزيون الجيران بالابيض والاسود،
وكان الأسود هو المزاج العام للحي الشعبي !
كانت استوديوهات التصوير الفوتوغرافي التي طالتها الحضارة تعلن على فاتريناتها ( لدينا تصوير ملون ) تماما كما تفعل الاستوديوهات التي تعلن الآن وفاءها للكلاسيكية وأسواق التحف ( لدينا ماكنات تحميض لأفلام الأبيض والأسود ) !
لاحقاً عرفت اللون الأحمر على شاشات الأخبار، وعلى شفاه الفلاحات الذاهبات للتمدن بأدوات مكياج رخيصة ، وفي أكواب الشاي ، واشارات المعلم على دفتر الرياضيات !
صار لونا عائليا حميما ؛ لأنه آخر ما يُخلِّفه الراحلون قبل اندساسهم في القبور ، ولم أحبه بعدها ، حتى حين صار لونا مفضلا لقمصان النوم وشموع الاحتفالات !
لم أحب الأخضر أيضا ؛ كان يرتبط لدي بسيارات الجيب التي تمرق كالسهم في شوارع الاحتلال ، وبالنقود التي لا نطالها ، واللحاف الذي اهترأ ولم يعد يقي من البرد ، والخضراوات التي كنا نشتهيها ويقال لنا انها فاكهة غالية الثمن !
الأخضر أيضا لون الحديقة أو الشجر الذي رأيته لأول مرة في العقد الثاني من عمري .
والأزرق لون السماء التي لفرط انهماكنا لم ننتبه لوجودها، فالتأمل أو النظر الى الأعلى كان ترفاً في النهار ، وغير ممكنٍ ليلاً في عتمة الأحياء غير المضاءة !
الأصفر كان لونا لم يقدم نفسه بشكل جاد ؛ وتراوح بين فراش مبلل ليلا أو “ تجاليد “ لدفاتر المدرسة أو طين نغوص به كلما نزل مطر قليل ؛ فلم آخذه على محمل الإحترام !
هكذا كانت الأيام التي بالأبيض والأسود مأمونة العواقب أكثر ، وأضرارها أقل !!
لكن الأيام لم تترك الآمن آمناً ، ولم تحفل بتنازلي الطوعي عن حصتي اللونية من الكون ، فوجدتني في النصف الثاني من عمري أقف أمام هذه الألوان وجهاً لوجه !
 ثمة جفاء لم أكن أنا السبب فيه ، ... والآن أحاول أن أعتني بنباتات صغيرة في منزلي فلا أجد لغة مشتركة بين أصابعي وعروقها الخضراء ، أحاول أن أوفق بين ألوان ملابسي ، أثاث بيتي ، أو بين مقالاتي والإعلانات الصاخبة حولها ...
حتى صديقاتي اعتقدن أنني زاهد في الألوان لفلسفة أو موقف وجودي فاختصرن من اللون في ملابسهن ...
لكنني أصرخ في أعماقي أرجوكن ادلقن علبة ألوان كاملة على مواعيدنا ، أريد أن أشلح هذا الحداد الذي ولدتُ به !

التعليق