السياسة التي قد تخفف من معاناة سورية

تم نشره في الجمعة 11 آب / أغسطس 2017. 11:00 مـساءً
  • سوري مبتور الساق في حي دمرته الغارات بالغوطة الشرقية - (أرشيفية)

دانيال أر. ديبيتري - (جابان تايمز) 6/8/2017

ترجمة: عبدالرحمن الحسيني

نيويورك – على مدى السنوات الخمس الماضية، دارت سياسة الولايات المتحدة الخاصة بالحرب الأهلية السورية حول دعم جهود الأمم المتحدة للتوصل إلى تفاهم سياسي بين المتقاتلين الرئيسيين في الحرب -وتذكير كل من يريد أن يستمع بأن حلا سياسياً فقط هو ما سيضع حداً للصراع الطاحن، مرة وإلى الأبد.
لكن هذه السياسة، لسوء الطالع، لم تواكب الواقع العسكري. فقد أصبح موقف الرئيس بشار الأسد على الأرض راهناً أفضل مما كان عليه في أي وقت مضى، ولم يعد لديه حافز لعمل ما يريده المجتمع الدولي -إنهاء المجزرة والخروج في نهاية المطاف من القصر الجمهوري.
ذلك يعني أن الحاجة تمس إلى وضع استراتيجية جديدة، والتي تعترف بأنه إذا لم يكن من الممكن تحقيق حل سياسي في الماضي، فمن غير المرجح إلى حد كبير أن يتم تحقيقة في المستقبل. وبدلاً من ذلك، يجب على الولايات المتحدة وشركائها فعل ما يستطيعون فعله لتجميد الصراع وإبقائه ضمن مناطق جغرافية محددة، تماماً مثلما فعل الأردن والولايات المتحدة وروسيا بنجاح في جنوب غرب سورية في الأسابيع الماضية.
لدى الأمم المتحدة أصلاً مبعوث خاص لتحريك أي تحول في السياسة. وقد بذلك هذا المبعوث، ستيفان دي ميستورا، الدبلوماسي الإيطالي- السويدي الذي عينه الأمين العام السابق للمنظمة الدولية بان غي مون وإسند إليه مهمة إدارة الملف السوري، بذل جهداً لا يكل لإنهاء العنف. وبالكاد يمر أسبوع واحد من دون أن يطير دي ميستورا إلى العواصم الإقليمية ويجتمع مع ممثلي المعارضة السورية المعتدلة وممثلي نظام الأسد على حد سواء، والعمل مع دبلوماسيين في كل القارات لكسب الدعم للمفاوضات.
ومع ذلك، وبالرغم من الجهد الجبار الذي بذله، ما يزال دي ميستورا عاجزاً عن إحراز أي تقدم جدي في عملية سياسية يعتبرها الكثيرون من المجتمع الدولي ميتة أو قيد الاحتضار. ولا يتحمل السيد دي ميستورا المسؤولية عن ذلك بالتأكيد: فهو يتمتع بالصبر والجلد والمثابرة من منطلق إنساني. ولكن، حتى أكثر المفاوضين خبرة والمتمتع برصيد لا ينضب من الطاقة والمصداقية الشخصية سوف يفشل عندما تنظر أطراف الصراع إلى بعضها بعضاً بارتياب بينما يتحول الصراع إلى حرب إقليمية بالوكالة.
يبدو من الصعب للغاية إدامة المباحثات حول إجراءات بناء الثقة، والتي أثبتت في مفاوضات أخرى أنها أساسية. ويبدو أن السيد دي ميستورا نفسه يقبل هذه الحقيقة المحزنة، حيث قال للصحفيين قبل بدء الجولة السابعة من المفاوضات السورية أنه بينما يستمر في الأمل بأن تبدأ الحكومة السورية ووفد الثوار البحث الجاد، "فقد خاب أملنا عدة مرات خلال هذه الأعوام الأربعة، كما خاب أمل السوريين في السنوات الست الماضية". وما من سبب للاعتقاد بأن الجولة التالية من الدبلوماسية في جنيف والمقررة في الشهر المقبل ستكون أكثر نجاحاً من الجولات الست الأخيرة.
وهكذا، إذا كانت المباحثات حول سياسة سورية قد وصلت إلى نهاية مسدودة، فقد حان الوقت إلى إلقاء نظرة واقعية وعميقة على الواقع. والأهم من كل شيء أن على دي ميستورا خفض سقف التوقعات حول ما هو ممكن.
على مدار الأعوام الستة الماضية من الصراع ومحاولة التوسط، انهارت كل محاولة ركزت على سياسة سورية -كيف سيتم حكم البلد بعد انتهاء الحرب؛ ومن هو الذي سيتم تمثيله في الحكومة الانتقالية؛ ومن يجب أو لا يجب اشتماله في دستور سوري جديد؛ وماذا سيحدث مع الأسد.
 للكثير من هذا كله صلة بالطبيعة المعقدة للصراع وكثرة أصحاب الحصص المنخرطين على الأرض وفي الجو. لكن العائق الأكبر يظل متجسداً في رفض الأسد التفاوض على سقوطه هو نفسه. وقد قويت مقاومة الرئيس السوري لأي تسوية سياسية، بغض النظر عن صغرها أو عدم أهميتها، بسبب الدعم الذي قدمته كل من روسيا وإيران للنظام في دمشق.
ولا يريد الأسد التفاوض على السياسة لأنه لم يعد في حاجة إلى ذلك -فموقفه على الأرض الآن هو في أفضل وضع ممكن. وباستثناء الضواحي الواقعة شرقي دمشق ومدينة الرقة الشمالية، فقد استعاد النظام أو المليشيات المواليه له كل مدن سورية الرئيسية. وحُشر معارضو الأسد السياسيون على نحو متزايد في جيوب في محافظتي إدلب ودرعا السوريتين -بكلفة كبيرة لحقت بالبنية التحتية للبلد وضد مصلحة ملايين المدنيين الذين يعيشون (أو اعتادوا العيش) هناك. وقد يكون الأسد مستبداً وحشياً، لكنه أيضاً لاعب عاقل يفهم أن كفة الحرب مالت لصالحه منذ أن أنقذه سلاح الجو الروسي بشن حملة قصف جوي في خريف العام 2015.
 مع ذلك، لم تكن كل الاتفاقيات التي تم التوصل إليها على مدار الأعوام الماضية فاشلة. فالاتفاقات التي ركزت على الفصل بين الأطراف المتحاربة في مناطق محددة، وتأسيس هدنة لتسليم المساعدات الإنسانية والسماح للمدنيين الجرحى بمغادرة هذه المناطق لتلقي العلاج الطبي، كانت أكثر نجاحاً بعض الشيء. وبينما من المؤكد أن النظام انتهك العديد من اتفاقيات وقف إطلاق النار، فإن اتفاقيات خفض التوتر التي تم ترتيبها في الأشهر الثلاثة الماضية أثمرت على الأقل من خلال تراجع الأعمال العدائية، والذي لم يكن ممكناً لولا هذه الاتفاقيات. وقد أقر الأمين العام للأمم المتحدة أمام مجلس الأمن الدولي بأن "العنف قد انخفض" في بعض مناطق خفض التصعيد الأربع التي أنشأتها تركيا وروسيا وإيران في أستانة في أيار (مايو) الماضي. ويبدو أن اتفاق خفض التصعيد في ثلاث من المحافظات السورية الجنوبية الذي وضعت لمساته النهائية في تموز (يوليو) الماضي ويشمل وقف إطلاق النار بشكل عام بين الحكومة وقوات المعارضة المعتدلة ومنطقة استثناء للوحدات الإيرانية ووحدات من حزب الله بالقرب من الحدود مع إسرائيل والأردن، يبدو أنه ما يزال صامداً إلى حد كبير وبشكل أفضل من المتوقع –في الوقت الحالي على الأقل.
مع أنه ما يزال من السابق لأوانه وصف صفقات وقف إطلاق النار بأنها ناجحة -بينما من المؤكد أن هناك انتهاكات حتمية- فإن الاتفاقيات التي تركز بشكل حصري على الأمن وتترك المسائل السياسية للأمم المتحدة، تكون أكثر فعالية من خلط مسارات الأمن والسياسات مع بعضها البعض. وما يزال علينا رؤية ما إذا كانت تراجع حدة الأعمال العدائية سوف يستديم على المدى الطويل، لكن من الصعوبة بمكان التشكيك في أن التركيز على لجم إراقة الدماء أولاً واستكشاف الخيارات للمصالحة السياسية ثانياً كان له تأثير أكثر إيجابية على المدنيين على أرض الواقع.
سوف يرى العديد من محللي الشأن السوري أن التوقف قصير الأمد والمتقطع للعنف هو الحد الأدنى الذي تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها إنجازه. ويطرح تشارلز ليستر، من معهد الشرق الأوسط، فكرة أن حالات الهدنة الإقليمية ومناطق العنف صنوان لمعالجة "عوارض الأزمة"، بينما يسمح لمسببها الجذري (نظام الأسد) بالاستدامة. وفي الحقيقة يطرح هؤلاء الخبراء حجة قيمة: لم تفعل أي من اتفاقيات وقف إطلاق النار التي تم التوصل إليها في السابق أي شيء للتعامل مع مسألة مستقبل الأسد السياسي –وهو الموضوع المحوري الذي اعترض سبيل حملة دي مستورا لحث المتقاتلين على قبول إطار عمل سياسي.
ولكن، عند هذه المرحلة من الحرب، بعد ستة أعوام من القتال ونصف مليون قتيل ومنطقة تعج باللاجئين السوريين، ووجود 13.5 مليون سوري بحاجة إلى المساعدات الإنسانية، حان الوقت لأن يدلي المجتمع الدولي بدلوه ويحيي آمالهم. ويستطيع العالم الاستمرار في الصلاة والدعاء من أجل قدوم وقت يتحول فيه الأسد، بشكل سحري، من مجرم حرب مريض إلى رجل مصالحة. أو أن العالم يستطيع فعل أشياء مختلفة قليلاً بزيادة ضغطه على المتقاتلين في سورية للتوصل إلى اتفاقيات تقدم شيئاً قريباً من السلام للشعب السوري على الأرض.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: The policy that could ease Syria’s suffering

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق