جميل النمري

آن للتعليم أن يخلع رداء الخوف

تم نشره في الجمعة 11 آب / أغسطس 2017. 11:08 مـساءً

نبارك للناجحين في التوجيهي ونهنئ المتفوقين ونقول حظا أوفر للذين لم يحالفهم الحظ.
أول خبر قرأناه مع إعلان نتائج التوجيهي أول من أمس، كان انتحار طالب شنقا. واتضح لاحقا أنه ليس طالبا، لكن حالات الانتحار أو محاولة الانتحار في ضوء نتائج التوجيهي ليست غريبة وهي تحدث كل عام بين الطلبة والطالبات الراسبين، والفصل الماضي توفيت طالبة في بني كنانة بتناول كمية زائدة من الأدوية. وتعيش الأسر عموما كابوس التوجيهي ليس بسبب احتمال الرسوب فقط، فالجميع تنحبس أنفاسهم حتى المتفوقون بانتظار النتيجة لأن مصير الطالب يتقرر بفارق أجزاء من الدرجة، والطالب الشاطر الطامح لدراسة الطب قد يفقد الفرصة بنزول المعدل نصف درجة عن المقدر للقبول، ويكون الأمر مثل نكبة حلّت بالبيت.
بعد سنوات سننظر الى الخلف ونقول أي جنون كنا نعيشه مع نظام التوجيهي هذا. وكيف قبلنا أن نبقى محبوسين في هذا النظام غير المنطقي وغير العملي الذي يشبه وضع القدم في حذاء صيني (حذاء حديدي تحشر فيه قدم الفتاة حتى لا تكبر). إن فكرة التغيير كانت مطروحة ويتم تداولها منذ مطلع التسعينيات لكننا أمضينا أكثر من ربع قرن زيادة في نظام قديم ساهم مع عوامل أخرى في حجز التعليم المدرسي والجامعي وراء حائط سميك من التخلف يفصله عن مقتضيات التنمية والتحديث والاحتياجات الواقعية التي تعلن عن نفسها ونراها كل يوم ثم لا نتخذ القرارات الضرورية لها.
هل نبالغ في تحميل نظام التوجيهي كل هذه الأوزار. ابدا لا نبالغ لأن نظام التوجيهي له مقدمات وترتبط به نتائج تشمل كل العملية التعليمية، فهذا الامتحان الفاصل هو امتداد لنفس منهج التدريس الذي يقوم على التلقين الشكلي وحشو معلومات الكثير منها بلا فائدة ولا وظيفة عملية لاحقة. وهذا النظام يعتمد على جانب واحد من الذكاء والقدرات وهو الحفظ ويستهلك طاقة الطالب العقلية في هذا الجهد على حساب مهارات أخرى في الفهم والتحليل والاستنتاج يتم قمعها وتنحيتها. هذا مع العلم أن التطورات التكنولوجية التي تتيح تخزين المعلومات والوصول اليها في كل لحظة وفي أي مكان قد قللت أهمية الحفظ كثيرا.
وهذا النظام أغرى بالغش الذي أصبح ظاهرة مقبولة يشارك بها الأهالي بما يعنيه من تراجع وانحدار في الثقافة والأخلاق، وقد رأينا ظاهرة مدهشة.. أهالي الطلبة أنفسهم يتظاهرون ضد اجراءات الوزير الذنيبات الحازمة لاستئصال الغش. والنظام أنتج فوقه تعليما جامعيا مشوها من كل جوانبه وفي المقدمة أنظمة القبول والاستثناءات التي تعددت وتشعبت وتعقدت وكانت من أكبر عوامل تشجيع وادامة وتكريس ثقافة الفساد والمحسوبية والتناطح غير المشروع على الواسطة لتحصيل مقاعد بغير وجه حق، وهو ما ادام تعليما جامعيا متخلفا بعيدا عن الاحتياجات الحقيقية وسوق العمل وينتج بطالة وفقرا في الكفاءات العلمية والعملية.
التوجيهي هو العقدة التي تربط بين التعليم المدرسي والتعليم الجامعي ويرتبط بها التغيير والتقدم الى الأمام وقد تأخرنا كثيرا في الإصلاح، لكن كما يقال خير أن تأتي متأخرا من أن لا تأتي أبدا، والتغيير الجذري في التوجيهي يعني تغيير المقدمات والنتائج، أي تغيير منطق وأساليب التعليم المدرسي والجامعي.
"آن للعملية التعليمية برمتها أن تخلع رداء الخوف" بهذه العبارة الجميلة قدم الوزير في مؤتمره الصحفي أمس لفكرة التغيير وهو يعلن نتائج التوجيهي، بينما الأهالي والطلبة يعيشون منذ الفجر رعب ترقب النتائج.

التعليق