ربحية البنوك مرة أخرى

تم نشره في الأحد 13 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً

محمد عاكف الزعبي

كنت قد توقعت في مقال سابق بان لا يتسبب رفع اسعار الفوائد الذي يقوم به البنك المركزي بتحسين هوامش الفائدة بين موجودات البنوك ومطلوباتها (Net Interest Margin). نتائج النصف الاول للبنوك جاءت منسجمة الى حد كبير مع تلك التوقعات.
بعض البنوك اظهرت شيئا من الثبات في هوامشها، في حين ان البعض الاخر سجل انكماشا؛ اي على العكس تماما مما يحصل في الظروف الاعتيادية، ذلك ان ارتفاع اسعار الفوائد في الوضع الطبيعي ايجابي لهوامش الفائدة وربحية البنوك بشكل عام.
المتفحص لنتائج البنوك للنصف الاول يلمس عددا من التطورات، قادت مجتمعة الى تشويه العلاقة الطردية بين اسعار الفوائد والهوامش التي تجنيها البنوك.
ابرز هذه التطورات هو تراجع وتيرة إقراض الافراد، وتوجه البنوك، حتى تلك المعروفة بشهيتها المرتفعة لاقراض الافراد، نحو قطاع الشركات المعروف بعوائده المنخفضة نسبيا.
اسباب التوجه لاقراض الشركات ترجع الى المنافسة المحتدمة التي يشهدها قطاع الافراد وسط تآكل في قدرة الافراد على الاقتراض. هذا على الاقل ما يمكن استخلاصه من تقرير نشرته وكالة موديز، اكدته مؤخرا ارقام صادرة عن البنك المركزي، اظهرت ارتفاع مديونية الافراد نسبة لدخولهم، الامر الذي دفع البنوك للبحث عن فرص للنمو في قطاعات اخرى فشاهدنا الارتفاع الملفت في النشاط الاقراضي للشركات.
وقطاع الشركات اقل ربحية بالنسبة للبنوك من قطاع الافراد. وفي ضوء تراجع النشاط الاقتصادي وما نشأ عنه من تراجع في ملاءة الشركات المالية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية، تصبح المنافسة على الشركات المتماسكة والمليئة مرتفعة وهو ما يقلل من قدرة البنوك على تمرير اية زيادة في كلف الودائع للشركات المقترضة، الامر الذي يقلل اكثر واكثر من عوائد هذا القطاع للبنوك.
التطور الاخر الملفت للانتباه هو توجه البنوك للودائع المربوطة لاجل والمعروفة بكلفها المرتفعة بالقياس مع الانواع الاخرى من الودائع، نتيجة المنافسة المرتفعة على السيولة، ووسط نمو ضعيف في المعروض النقدي وعدم فعالية سوق الاقتراض بين البنوك وبما يحول دون انتقال السيولة الى البنوك الاحوج لها وهو ما يدفع البنوك الى استقطاب السيولة عبر الودائع مرتفعة الكلفة.
التطورات السابقة مضافا اليها تركيبة استثمارات البنوك التي تتركز بسندات طويلة الاجل وثابتة العائد، لا ترتفع ايراداتها بارتفاع اسعار الفوائد، تجعل هوامش الفائدة مرشحة للانكماش او الثبات في احسن الاحوال.
عندما يكون الارتفاع في اسعار الفوائد سببه تحسن في المستوى العام للنشاط الاقتصادي بما يعنيه ذلك من ارتفاع في ربحية الشركات وتراجع في معدلات البطالة وارتفاع في الطلب على السيولة المصرفية، فان العلاقة الطردية بين اسعار الفوائد وربحية البنوك يصبح لها حظ كبير من المنطق، وهذا هو الحال في الدول العظمى التي تملك كامل الاستقلالية في قرارها النقدي. اما في البلدان الصغيرة مثل الاردن، فان صانع السياسة النقدية يجد نفسه احيانا مضطرا، لاسباب موضوعية، لرفع سعر الفائدة في ظروف اقتصادية صعبة. عندها لا يظل مستغربا ان نرى اضطرابا في بعض العلاقات الاقتصادية.
نتائج البنوك للنصف الاول من العام الحالي جاءت منسجمة مع توقعاتنا، لكن فترة ستة اشهر تبقى غير كافية لفحص التوقعات والتأكد من صحتها، لذلك فلننتظر ولنرَ مآلات السياسة النقدية على ربحية البنوك.

التعليق