استراتيجية مقترحة لبعث الحياة في مكارم أخلاقنا

تم نشره في الأحد 13 آب / أغسطس 2017. 11:51 صباحاً
  • المهندس خالد الكيلاني

المهندس خالد الكيلاني

غطى المريض بجسده القوي الكبير معظم طاولة العمليات، هذا المجرم العتل والذي عانت البلدة من أذاه الكثير، بدا هادئا مسالما تحت تأثير المخدر القوي. وبعد أن هدأت المناشير، أسلم الدماغ دفاعاته لمبضع الجراح البارع، والذي كان يستطيع، بحركة رشيقة من مشرطه، إنهاء حياة هذا المجرم دون أن يستطيع أحد أن يدينه.

تزامن وقت العملية مع وجود خمسة من المواطنين الأكارم الذين قدموا خدمات جليلة للبلد، ينتظرون في المستشفى أن ينقذ حياتهم توفر أعضاء من متوفين مانحين، بل وتكون فائدة الأعضاء أعظم لو كان المانح قوي الجسم كذلك المريض. احتار الجراح ماذا يفعل، أيخلص البلدة من شر المجرم وينقذ خمسة من أخيارها أم يعمل على شفائه؟ سؤال تقليدي في علم الأخلاق، لو وجهه الجراح لأحدنا، فبماذا ننصحه أن يفعل؟ هناك اسئلة كثيرة مشابهة تصادفنا تحتاج إلى مفكرين وباحثين ليجدوا أنسب الحلول العملية التطبيقية، استنباطا من النظريات المختلفة في علم الأخلاق، ومنها الإجهاض وشروطه، والموت الرحيم والحكم بالإعدام وغيرها الكثير.

نهدف في هذا المقال الى تعريف الأخلاق علما وعملا وتاريخا، وتحديد منهجيات وإجراءات مقترحة لبعث الحياة في مكارمها، وذلك من خلال البحث العلمي والتعليم المدرسي.
علم الأخلاق هو أحد فروع علم الفلسفة، والفلسفة هي أم العلوم، وكانت تشمل الطبيعيات والرياضيات والموسيقى والأخلاق وغيرها، وكان كلما نضج علم منها استقل بنفسه عن الفلسفة كما حصل مع الطبيعيات أوعلوم الفيزياء.

يهدف علم الفلسفة الى إرساء التعاريف ألتي تحدد الحسن والقبيح من الأشياء وتميز الصواب من الخطأ من الأعمال، والأخيرة هي الهدف الأساس لعلم الأخلاق .وكما أن العلوم البحتة مثل الفيزياء تولد المعرفة الإنسانية، فإن العلوم التطبيقية مثل الهندسة تأخذ النظريات والمعرفة التي ولدتها علوم الفيزياء، لتبني منها حلولا لمشاكل الحياة الانسانية، وهنا تحصل الفائدة للناس. ولو بقيت المعرفة نظرية دون تطبيق، لما حصل التقدم التكنولوجي الهائل ولا تولدت الثروات الخيالية التي نراها هذه الأيام في شركات المعلوماتية أو الأدوية على سبيل المثال، ثم تعود هذه الثروات لتضخ في البحث والتطوير وإنتاج مزيد من المعرفة وهكذا في دورة خلاقة رائعة تراكم معرفة الأمم المتطورة وثروتها.

وينطبق الكلام نفسه على علم الأخلاق، فهناك علم الأخلاق النظري، وهناك علم الأخلاق التطبيقي. وهكذا تحتاج المجتمعات المتطورة الى إجراء البحث العلمي وتوليد المعرفة لتعالج مشاكل الأمة الأخلاقية الناتجة عن التطور العلمي والتكنولوجي في مختلف القطاعات، ومنها على سبيل المثال تعريف خصوصية الناس على الانترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي، ومتى يتم انتهاك هذه الخصوصية وصولا إلى وضع منهجية لحماية هذه الخصوصية وقوانين لحفظها.
تعددت النظريات في علم الأخلاق، وسنناقش أهمها هنا. نبدأ بالنظرية الدينية، أولها وليس أهمها، ومنها الوصايا العشر بأن لا تقتل ولا تكذب وهكذا. وهذه النظرية تخاطب المؤمنين بهذا الدين أو ذاك، ولا تشمل المجتمع بكامله، وهي نـظرية قطعية لا تقبل النقاش والمرونة اللازمة لحل المشاكل المتغيرة دائما.

وهناك نظرية المنفعة التي تعتبر أن العمل الذي يعظم الفائدة لمجتمع الفرد أو الدولة هو العمل الصائب، وعليه فإن قتل الجراح للمجرم في مثالنا أعلاه هو عمل أخلاقي، وهي نظرية وضعها المفكران الإنجليزيان (جيريمي بنثام) و(جون ستوارت ميل) اللذان عملا لصالح شركة الهند الشرقية والتي استعمرت الهند وغيرها، وبذلك يكون الاستعمار البريطاني وغيره ونهب الدول المستعمرة واستعباد أهلها إن أمكن، هو عمل أخلاقي حسب هذه النظرية. وهناك أيضا نظرية الواجب، والتي وضعها المفكر الالماني (إيمانيويل كانت) والتي تفرض على كل إنسان أن يقوم بواجبه بإخلاص في خدمة الآخرين، وبذلك يتوجب على الجراح أن يقوم بواجبه في شفاء المجرم، وأن يترك الحكم عليه لقاض يقوم بدوره بواجبه بإخلاص. وهذه نظريات تميز العمل الصواب من العمل الخطأ، ويفسر سلوك الدول الكبرى المتناقض، تبنيها نظرية الواجب داخل بلدها ونظرية المنفعة خارجها. وبالمقابل وضع الفيلسوف اليوناني (أرسطو) نـظرية الفضيلة، وهي نظرية قديمة تقوم على البحث عن الشخص القدوة وتقليده في أعماله لكونها غالبا صالحة لصلاحه، وتزداد شعبية هذه النظرية في هذه الأيام.
إن انهيار الأخلاق في مجتمعاتنا أو في غيرها، إنما هو نتيجة حتمية لغياب المعرفة في هذا المجال، فأين المفكرين وجامعات البحث في مجال النظريات الأخلاقية وتطبيقاتها؟ أين الأبحاث الميدانية العلمية وجمع المعلومات وتحليلها ووضع الحلول وتطبيقها؟ تماما كما تنهار صحة الفم والأسنان لو اختفى طب الأسنان من حياتنا.

وننوه هنا إلى أن مشاكلنا الاجتماعية مثل العنف في الجامعات، إنما هو نتيجة منطقية لغياب العلوم الإنسانية مثل علم الاجتماع عن رادار تعليمنا وأبحاثنا وقوانيننا. هذا ويمكن أن تتحول القواني المعززة إلى أساس أخلاقي، فلما وضعت بعض الدول العقوبات لمن يصدر ضجيجا يزعج جيرانه، وخاصة في وقت متأخر ليلا، إستدعى الجار الشرطة للمزعجين من جيرانه، ولكن بعد جيلين من تفعيل مثل هذه القوانين، أصبح الهدوء في الكلام والحياة طريقة حياة وخلق متبع. وصدق المثل القائل من أمن العقاب أساء الأدب.
يتلألأ الألماس بهاءً وصفاءً وتقديرا، وينحسر الفحم الحجري رخصا وتلويثا، كلاهما مكون من ذرات الكربون، وما يميزهما عن بعضهما هو قوة الرابط بين هذه الذرات. وكذلك المجتمعات، وحتى يكون مجتمعنا رائعا صافيا عظيما في قيمته وقيمه، علينا أن نعمل على تقوية الروابط بين أفراده ومؤسساته، وكلما ازدادت هذه الروابط قوة واستدامة كلما اقتربنا من المجتمع الأمثل.
لقد تميزت مجتعاتنا بمكارم الأخلاق في فترات مختلفة، اشتهرت خلالها مجتمعاتنا بالترابط والتعاون، وتميزت تلك الفترات بمؤسسات عديدة قدمت التطبيق الرائع لمكارم الأخلاق مثل الأوقاف والخلوات والكتاتيب، وساهمت الحركات الصوفية أيضا في نشر هذه الأخلاق الحميدة ومنها الرقة والإحساس المرهف والمحبة، وكذلك حب الإله وحب البشر وحب كل المخلوقات. كان الأغنياء ينتظرون بعد صلاة العشاء وكذلك يتأخر أصحاب الحاجات، ليقوم الغني بمساعدة المحتاج وحل مشاكله بهدوء ومحبة تعزز اللحمة بين الناس. وكان الدين هو المحرك الأقوى والدافع الداخلي للتمسك بمكارم الأخلاق. ولما ضعف تأثير الدين ضعفت الأخلاق، واندثرت المؤسسات القديمة، ولم يتم بناء آليات ومؤسسات بديلة، وهذه من أهم سلبيات ربط مكارم الأخلاق بالتدين. ويدعم هذا المفهوم الحديث النبوى الشريف ”إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق“ إقرارا بأن مكارم الأخلاق مثل التضحية والكرم والصدق وغيرها هي أخلاق مجيدة لدى العرب وغيرهم قبل ظهور الدعوة، فضربوا الأمثال في الكرم بحاتم الطائي والوفاء بالسموأل، فقالوا ”أوفى من سموأل“.
ركزت أمم عظيمة مثل اليابان على فصل الأخلاق عن الدين لتكون واجبا على كل شخص في المجتمع بغض النظر عن عقائده ومدى التزامه بها. ومن هنا أصبحت اليابان تفاخر بانخفاض نسب الجريمة فيها على الرغم من أن لديها نسبة من الملحدين هي الأعلى في العالم. وكانت اليابان، وكغيرها من الأمم، تعتمد على الأسرة لتوعية الأبناء وتوجيههم أخلاقيا، كانت هذه المنظومة فعالة وناجحة حتى بدأت وتيرة الحياة بالتسارع، وهنا تنبأ اليابانيون بأن الأم والأب لن يعود لديهما الوقت لزرع الأخلاق في الأبناء، فقامت استباقا لذلك بالتركيز على زرع مكارم الأخلاق تطبيقا في المدارس، وهي فترة التشكيل الأهم في حياة الانسان، فكان ذلك من خلال منهج متكامل يغطي السنوات التسع الأولى من حياة الطالب وبواقع ساعة على الأقل أسبوعيا ويشتمل على 76 مختلفة تغطي أربعة محاور: النفس، العلاقة مع الآخر، العلاقة مع الطبيعة، والعلاقة مع المجموعة والمجتمع.

إن فترة نقش الأخلاق في الصغر كنقش في الحجر لا يختفي ولا يندثر من خلال الدروس، ولكن في اليابان فإنه يتم أيضا من خلال ألعاب تسلي الطلاب، فمثلا، يقوم عشرة من الطلبة بالدوران حول تسعة من الكراسي، وعندما تنطلق صافرة الأستاذ، يجلس الطلبة على الكراسي، ويفشل الطلبة العشرة إذا لم يجلسوا جميعا على الكراسي التسعة، درس في النجاح الجمعي والاهتمام بالآخر والإحتواء، مقابل لعبة الكراسي الموسيقية التي لعبناها والتي تقوم على النجاح والبقاء للأقوى، باستبعاد الطالب العاشر الذي لم يجلس - ألعاب تعكس ثقافات أصحابها، لذا تغنى العالم ونتغنى جميعا بكوكب اليابان.
تتطلب إعادة الحياة إلى مكارم الأخلاق في مجتمعاتنا توفر النية والقصد أولا لإنجاز ذلك، ويتبع ذلك إدخال تعليم علم الأخلاق في مختلف التخصصات الجامعية، ليتخرج منها الطبيب الأمين والمهندس الصادق، وأن تقوم مؤسسة النهضة بتكليف الوزارات والمؤسسات المختلفة بتفعيل مدونة أخلاق تضمن التزام الموظفين القيام بواجباتهم وتقديم الخدمات المطلوبة منهم بنزاهة وفاعلية، وكذلك تشخيص مشاكل الوزارات والمؤسسات الناتجة عن غياب مكارم الأخلاق، مثل قطع الأشجار الحرجية والاتجار بها، أو تلويث المنتزهات الطبيعية، وتحويل هذه المشاكل إلى مشاريع بحثية لتخصصات العلوم الإنسانية في الجامعات، ليتم تشخيص أصل المرض ووضع الحلول العلمية والقوانين الداعمة له، لنعود أمة تحترم نفسها ويحترمها الآخرون.

التعليق