د.باسم الطويسي

كيف سينتخب الناس؟

تم نشره في الاثنين 14 آب / أغسطس 2017. 12:07 صباحاً

الطريقة التي سوف يصوت فيها الناس يوم غد في أول انتخابات لمجالس المحافظات ستقرر إلى حد كبير هل ستكون هذه المجالس، إضافة جديدة للبناء الديمقراطي الوطني وللتنمية أم أنها ستكون عبئا جديدا يضاف إلى أعباء أخرى لطالما صرفت ضمن وصفة علاج الديمقراطية والتمثيل والمشاركة.
إن السؤال اليوم ينصب على المعايير والقيم التي على أساسها سيختار المواطنون ممثليهم في هذه المجالس، وهل ستتكرر المعايير التقليدية التي يتم على أساسها اختيار نواب البرلمان منذ عقود؟ لا يوجد لدينا إلى هذه اللحظة رؤية واضحة حول السلوك الانتخابي للناس، لكن من المفترض أن الوعي بمفهوم اللامركزية وقيمها هو من سيحسم هذه المسألة، فأعضاء مجلس المحافظة يلتصقون بالمصالح والخدمات العامة للمجتمعات المحلية بشكل مباشر، والقدرة على مساءلتهم شعبيا أسهل من نواب البرلمان، كل هذه الاعتبارات وغيرها تفترض أن الناخبين سلوكهم الانتخابي.
على الأرض من المتوقع أن تكون الهموم اليومية على المستوى الأسري والفردي المعيار الأساسي لطريقة التصويت أكثر من أي اعتبار آخر، تحديدا ونحن نتحدث عن انتخابات تُعنى بها المحافظات في وقت تزداد فيه هموم العيش اليومي للناس وارتفاع الأسعار، ويزداد فيه ضغط البطالة وتراجع فرص العمل أمام طيف واسع من المتعطلين، وأغلبهم من الشباب حديثي التخرج، قد تكرس مجالس المحافظات النزعة العشائرية التقليدية في الظاهر، لكن الاصطفاف الحقيقي للناس سيكون خلف المصالح الصغيرة، وعلى قدر ما يعكس هذا التطور أحد مستويات ممارسة السياسة فإنه في نفس الوقت يحمل مؤشرات أخرى خطيرة.  
مسألة أخرى ترتبط باليوم التالي للانتخابات؛ هل أنجزنا البنية التحتية الملائمة للامركزية سواء في الجوانب الإجرائية والتنظيمية أو في الموازنات وفي تخصيص الموارد، الأمر الذي يطرح متتالية من الأسئلة على موازنة الدولة للعام القادم، والتي من المفترض أنها قيد الإعداد في ظل ظروف صعبة تعانيها المالية العامة للدولة، إن أكبر تحد لكل ما تعنيه اللامركزية من تحول إداري وتنموي واجتماعي يرتبط في نهاية الأمر بالموارد.
لا يمكن أن تبقى الدولة تسير طويلا بهذه المنهجية، حيث تتقدم بأفضل الخطط الإصلاحية وبأفضل التشريعات، ثم تغيب بدون موازنات تنفيذية، وبدون بناء قدرات، وبدون أنظمة متابعة وتقييم جادة وصارمة، هناك العديد من البرامج الإصلاحية التي فشلت أو أعيق تنفيذها بعدما رفعت الحكومات التوقعات حولها، حدث هذا على سبيل المثال مع الحكومة الإلكترونية ومع منظومة النزاهة الوطنية؛ حيث طورنا أفضل وثيقة إصلاحية وتم سن قانون جيد، ولكن هل تعمل منظومة النزاهة بكفاءة ونحن ما نزال نتردد في تطوير خبرات وطنية في هذا المجال!
مشروع اللامركزية ليس مجرد نزهة للحكومة المركزية نحو المحافظات، ولا مجرد دعاية للبرلمان لكي يصبح أكثر انشغالا بالسياسة الإقليمية والعالمية، اللامركزية تحتاج موارد حقيقية لتمكين الإدارات المحلية من فهم الديمقراطية المحلية وتطبيقها عمليا من خلال إدارة الموارد الكفؤة وفق معرفة دقيقة للأولويات المحلية. تحتاج إلى تطوير كفاءات محلية قادرة على إنضاج سياسات عامة كفؤة في كل قطاع، وتحتاج بناء قدرات محلية بفكر جديد يخرج من صندوق عمان.

التعليق