حنان كامل الشيخ

شارد بن جمعة!

تم نشره في الاثنين 14 آب / أغسطس 2017. 11:00 مـساءً

بالنسبة لملايين العرب غير المرتبطين بشكل مباشر مع دولة الكويت، فإن معرفتهم بالراحل عبدالحسين عبدالرضا تقتصر تقريبا في دوره الأشهر "شارد بن جمعة" الذي أداه باقتدار لا يتكرر في المسرحية الكويتية الرائعة "باي باي لندن". وربما كثيرون منهم لا يتذكرون اسمه في المسرحية بقدر ما يذكرون بعض عباراته الشهيرة، ومواقفه الارتجالية خصوصا مع النجم الجميل غانم الصالح.
إنما المؤكد فعلا أن معلومة تتعلق بمرجعية الفنان الدينية، أو بالأحرى الطائفية تكون قد اختفت في غياهب النسيان عن ذاكرة الجمهور العربي العريض، الذي ارتبط بعلاقة مودة مع ملامح النجم الراحل، والمشروطة دائما بالضحك والابتسام. هذه المعلومة التي أظهرها البعض على السطح، كانت كافية لهم لبث خطاب الكراهية، وتحريم حتى الترحم على الفقيد، باعتباره مشركا كافرا!
رغم أن التاريخ الطويل الحافل بالعطاء الفني والإنساني والثقافي لعبد الرضا، كان واجهته الأصيلة أمام نفسه وزملائه الفنانين، والإعلام والجمهور. بحيث أن تفصيلة صغيرة وضئيلة مثل التي خرجت علينا بعد خبر وفاته، لم تكن حتى لتذكر في أي مناسبة يتواجد فيها. وهذا الأمر ينسحب على فنانين كويتيين آخرين، يحملون الصبغة الطائفية نفسها، بحكم الخصوصية الديموغرافية الدينية الموجودة هناك منذ بدء الدولة.
شارد بن جمعة الكهل الشارد من يومياته المملة وحياته المعتمة، إلى ربوع لندن الواسعة بكل ما فيها من منابع السعادة ومنافذ الرغبة. يصطدم في رحلة بحثه عن بواقي عمره الطائرة، بحقيقة الشخصية العربية التي تكشفها الغربة، وتجردها من ملامحها الكاذبة الخائفة المترددة والحزينة في واقع الأمر. ليس فقط الشخصية العربية التي تتكشف في أحداث المسرحية، بل القضية العربية الغائبة عن الأذهان، موضوع اختلاف الرأي وقبول الآخر والعنصرية الغبية ما بين الشعوب، المحكومة أصلا لأنظمة متسلطة، الفقر والجهل واستسخاف أصحاب الأموال في الغرب. كلها عناوين جريئة ناقشتها المسرحية وشخصها نجوم كبار، كانوا نبراسا للفن العربي في فترة ليست بسيطة من عمر الثقافة العربية.
هذا الأمر يقودنا إلى استذكار الفن الكويتي في أواسط وأواخر أعوام القرن الفائت، والذي كان وبحق وجهة نظر ثقافية وسياسية واجتماعية، مختلفة كل الاختلاف عما كان يدور في جوارها، بالمقارنة مع سقف الحريات واتساع الخيال واحتضان الإبداع. الأعمال المسرحية والدرامية كانت في غالبيتها تقوم على بطولات مشتركة، المكملة لبعضها بعضا، وليس كما باقي الأعمال العربية التي تبنى على الزعامة والفردية. هذا الأمر جعل من "شارد بن جمعة" مثلا اسما ودورا لا يمكن أن ينساه جمهور الثمانينيات والتسعينيات، إلى جانب "سبيتشة والعربي الصديقي" وبالطبع "نهاش فتى الجبل والبراري"، الأسماء وحدها حكاية!
لذلك ولأسباب كثيرة، تجدنا نفتقد هذه الأسماء التي ترحل واحدا تلو الآخر ونحزن على فراقها بغض النظر عن الانقسامات الطائفية، والفكرية والسياسية، التي في حقيقة الأمر لم تعن لهؤلاء لا من قريب ولا من بعيد. أدوا رسالتهم الفنية والاجتماعية على أكمل وجه، ورحلوا تاركين لنا إرثا لن يتكرر، رغم أن الظروف هي هي، إن لم تصبح أسوأ!
رحل شارد بن جمعة من المدينة نفسها التي ذاع صيته وهو يودعها، وصدى صوته يردد: رادين للحب.. رادين للخير للأوطان!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أحبه ومدينة له (بسمة الهندي)

    الثلاثاء 15 آب / أغسطس 2017.
    ساهمت واحات ثقافية في العالم في رسم ملامح شخصيتي وأغنتها، وأنا مدينة لتلك الواحات ولا أتخيل العالم من دونها. أنا مدينة للحياة الثقافية في بريطانيا ولا يمر يوم دون أن أقرأ أخبار العلم science على موقع البي بي سي بالانجليزي. والكويت كانت وما زالت من تلك الواحات الثقافية، وعبد الحسين عبد الرضا والمسرح الكويتي أحد ملامح تلك الواحة. بالامس بكت الكويت عبد الحسين عبد الرضا وبكيت معها – أنا مدينة له بقلبي وعقلي وذاكرتي. رحمة الله عليه.