مجانية التعليم الجامعي.. تحتاج لقرار

تم نشره في الثلاثاء 15 آب / أغسطس 2017. 11:07 مـساءً

لا نبالغ عندما نقول بأن "مجانية" التعليم العالي بجامعاته وكلياته المتوسطة "الدبلوم"، سهلة المنال وليست ببعيدة عن متناول اليد، لكنها تحتاج إلى قرار سياسي جريء، وإلى الدراسة والتخطيط، ومن ثم وضع خطة أو خريطة طريق يتم تنفيذها بشكل واقعي وبكل أريحية.
لا أحد يتقبل، خصوصا أننا على أبواب انتهاء العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين، بأن تكون قيمة ما تخصصه الدولة من موازنة للجامعات الرسمية العشر في الأردن، لا تتعدى الـ72 مليون دينار سنويًا، مع احتمالية وصولها لـ100 مليون دينار سنويًا.
الكثير من الدول، وبالأخص تلك التي تقع في منطقة الشرق الأوسط، تحسدنا على التقدم الذي وصلنا إليه على أكثر من صعيد، وبالتحديد التعليم العالي، فخريجو هذا الوطن أثبتوا أنهم على درجة عالية من الكفاءة والقدرة والتفوق، وما يزالون كذلك.
فهل يعقل أن الكثير من الدول تتمسك بخريج الجامعات الأردنية، وتقدم له العروض من أجل البقاء عندهم والعمل لديهم، ونحن في الأردن لا نقدم سوى الفتات من الدنانير لدعم هذا القطاع وطلبته؟
إننا نطرح موضوع مجانية التعليم العالي في هذا الوقت بالذات، لأن المواطن أصبح في وضعية لا يستطيع معها تعليم أبنائه في الجامعات، فالرسوم الدراسية الجامعية تُعتبر مرتفعة بالنسبة إلى المواطن ولوضعه المادي والاقتصادي والمعيشي.
لماذا لا تقوم الدولة بوضع خطط وآليات أو دراسات تجعل التعليم الجامعي متاحا للجميع، ضمن الشروط الأكاديمية، وبنفس الوقت إن لم يكن مجانيا فليكن شبه مجاني.
قد يقول البعض إن ذلك ضرب من الجنون أو الخيال، إلا أن من يفكر بذلك لم يخطر بباله بأن موازانات الجامعات الرسمية مجتمعة يبلغ مقدارها سنوياً نحو 900 مليون دينار، وذلك حسب تأكيدات لرؤساء جامعات على رأس أعمالهم حاليًا.  
الحلول موجودة وكثيرة، لكنها بحاجة إلى قرار جريء، لا يلتفت صاحبه إلى نقد أو عراقيل قد توضع أمامه أو يترفع عن تحصيل مكاسب سياسية.. أول تلك الحلول زيادة حصة الجامعات من موازنة الدولة.
فدعم التعليم، مرتكز أساسي من مرتكزات مقومات الدولة، ويأتي على سلم أولويات المواطنين، إذا ما تم طبعا استثناء السلع الغذائية وتلك الأساسية التي أصبحت هما يقض مضاجع أكثر من 90 % من سكان المملكة.
قد يتقبل البعض حجج الحكومات المتعاقبة بأن دعم السلع الأساسية يذهب نحو ثلثه إلى غير الأردنيين المقيمين على أراضي المملكة، التي يبلغ عديد سكانها حوالي 9.5 مليون نسمة، منهم 6.7 مليون أردني.
لكن الجامعات لا يدرس فيها إلا من كان أردنيًا، فلماذا لا تدعم الدولة التعليم الجامعي على حساب دعم السلع الأساسية، إذا صح تبريرها بأن ثلث ذلك الدعم لا يستفيد منه الأردنيون.
ومن الحلول، حث المؤسسات والشركات الكبرى والبنوك على تقديم دعم مالي للجامعات، وعدم اقتصاره على الطلبة المتفوقين فقط، وهنا لا يضر سن تشريع أو قانون يتم بموجبه إعفاء تلك الجهات من نسبة من الضريبة العامة.
إن الدولة إذا ما طبقت ما سبق، تستطيع تأمين حوالي ثلثي ما تحتاجه الجامعات الرسمية من موازنة، وبالتالي تستطيع تأمين ما تبقى من الموازنة من خلال إقناع دول أجنبية وعربية أو حتى منظمات وهيئات عالمية تقديم منح للتعليم في الأردن.
إن الوضع المالي لجامعات المملكة الرسمية لا تُحسد عليه، وخير دليل على ذلك تأكيدات رئيس الجامعة الأردنية الدكتور عزمي محافظة في مقابلة مع وكالة الأنباء الأردنية (بترا) قبل أيام، بأن وضع الجامعات الرسمية سيصبح "صعبا جدًا جدًا"، في حال لم يكن هناك دعم أو على الأقل تقديم مساعدات حكومية كافية.
إن المواطن في هذه الأيام هو بأمس الحاجة إلى دعم قطاع التعليم العالي، الذي بدأ خبراؤه والقائمون عليه يدقون نواقيس الخطر في حال لم يتم دعم هذا القطاع، والذي سيكون بديله رفع رسوم الساعات الدراسية لدرجة البكالوريوس ضمن البرنامج العادي، والذي سيؤثر سلبًا على طلبة الطبقتين الفقيرة والمتوسطة.
أيّ عدل ذلك الذي يتم بموجبه تخصيص 8.4 مليون دينار فقط من موازنة الدولة لأقدم جامعة بالأردن الجامعة الأم (الأردنية)، التي قامت بتخريج أهم سياسيي وصناع القرار بالأردن فضلاً عن خيرة أطبائه ومهندسيه ومعلميه ومثقفيه.

التعليق