ماجد توبة

أين ذهب ألـ "إم 60"؟!

تم نشره في الخميس 17 آب / أغسطس 2017. 12:05 صباحاً

على وقع أصوات الرصاص ورشقات تشكيلة من الأسلحة النارية القادمة من مختلف الاتجاهات انشغلنا في "الغد" حتى الساعة الثانية من فجر أمس، بمتابعة مجريات الاقتراع والفرز للانتخابات البلدية واللامركزية، وإعداد وتجهيز عدد الصحيفة الذي صدر أمس.
كان الحديث عن تدنّي نسب المشاركة المتوقع بالنسبة لنا، وعن أحداث الموقر والاعتداء على مراكز الاقتراع فيها وبعض المشاكل هنا وهناك يسيطر على الأجواء بين الزملاء، إلى أن بدأت تظهر المؤشرات الأولية لنتائج الانتخابات في عمان وباقي المحافظات، ليسيطر على الأجواء صوت الألعاب النارية قبل أن "تحمى" الأمور ويملأ صوت الرصاص الأجواء، بعضه يأتي من أماكن قريبة من مقر الصحيفة وآخر يأتي من بعيد، فيما تواردت المعلومات والأخبار من الزملاء في الميدان والمحافظات تتحدث عن أجواء "احتفالية" شبيهة، يملؤها الرصاص فرحا بمقعد في هذه البلدية او مجلس المحافظة أو في تلك!
حقيقة، لم نكن لنتوقف طويلا عند هذه القصة؛ الاحتفال الناري بنتائج الانتخابات، لولا أنها كانت مساء أول من أمس وفجر أمس فاقعة إلى حد كبير، بل الوصف الأنسب لها أنها كانت مرعبة ومحزنة، حيث الكثافة بإطلاق الرصاص والاستهتار الواضح بأرواح الناس وبالقانون وبالدولة وبحق المجتمع بالأمن والسلامة في شوارعه ومنازله.
القصة لم تتوقف هنا، فيبدو أن الحماسة والنشوة أخذت البعض إلى ما هو أبعد من إطلاق الرصاص عبر مسدس فردي او حتى "كلشنات"، فمن بين ثنايا أصوات الرصاص الواصلة إلى آذاننا في مقر الصحيفة، تدفّق صوت رشقات سلاح رشاش ثقيل، بحسب تصنيفات خبراء الأسلحة، والذي "لعلع" صوته وارتدادات رشقاته في سماء عمان. اختلفنا فيما بيننا حول النوع المتوقع لهذا الرشاش، لكن الرأي الغالب كان تقديره أنه رشاش "إم 60" الأميركي، وهو بعلم السلاح يقع بين بندقية "إم 16" وبين رشاش "500"! أحدهم تندر ساخرا بالقول "الحمد لله ان مطلق الرصاص بهذا الرشاش فرحان.. وليس في مشاجرة"!
هو مسلسل لا يتوقف، وضحاياه لا يكفّون عن السقوط برصاص "الفرح" والاستخفاف بالقانون وبالدولة التي نطمح بأن نخلفها لأبنائنا وبناتنا، فيما لا يسعك إلا أن تقف ساخرا من كل التصريحات والبيانات الحكومية التي سودّنا بها صفحات الصحف واثير الاذاعات والتلفزيونات، عن التصدي لانتشار السلاح غير المشروع، وعن رفع سيف القانون بوجه كل من يلجأ الى استخدامه في الأفراح والمناسبات.
قد يكون الأكثر سخرية، بل ومرارة، هو حديث بعض المسؤولين والنخب في الغرف المغلقة، عن ضرورة عدم "تكبير" القصة، فحمل السلاح واستخدامه بالأفراح هو ثقافة شعبية متأصلة، يجب في النهاية التعايش معها والعمل على الحد من غلوائها قدر الإمكان! لكن دون توقع إنهائها!
هو خطاب تبريري للتقصير والتهرب من المسؤولية، وفيه استخفاف بأرواح الناس وأمنهم، وفيه أيضا تخلٍّ من قبل المسؤول عن مسؤوليته وواجبه وعن القانون الذي أقسم على تطبيقه والحفاظ عليه.
نعم ثمة ثقافة شعبية سلبية تزيّن حمل السلاح واقتناءه واستخدامه بالمناسبات، لكنها ثقافة قابلة للتغيير بقوة القانون والحرص على تطبيقه حماية للمجتمع، ومنعا لتفاقم مشكلة انتشار السلاح، الذي يرتد علينا كدولة ومجتمع بشتى الأخطار في المشاجرات وبعض أعمال العنف الجماعية، وهي أخطار وأضرار أول وأكثر من يدفع ثمنها وللأسف الشديد هم أبناؤنا وإخوتنا في الأجهزة الأمنية والشرطة والدرك، خلال تأديتهم لواجباتهم بحفظ الأمن وتطبيق القانون.
 لا يمكن التساهل مع انتشار السلاح تحت أي ذريعة، وتحديدا مع مثل هذه الأسلحة الرشاشة التي لا يمكن السماح بوجودها إلا مع الجيوش والأجهزة الأمنية.
عودا على بدء، منذ فجر يوم أمس، ومنذ انتهاء حفلة الابتهاج بنجاح الانتخابات، بقي السؤال يدور في رأسي: "أين ذهب
الـ "إم 60" الآن"؟!

التعليق