آلام الفيلسوف: الوجه الآخر لقسوة العقل

تم نشره في الجمعة 18 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً

معاذ بني عامر

(1)
يشاع عن الفيلسوف كثير من الصور النمطية التي يكاد يحتكم إليها الناس في إطلاق أحكام قيمة عليه دون أن يكونوا على دراية به، أو بالطبيعة التي يركن إليها في تسيير أموره الحياتية. وكأنه من طينةٍ غير طينة الناس، لذا ينبغي أن يجري عليه ما لا يجري على الناس. ومن هذه الصور، لا سيما ما يخدم غرضية المقالة هنا، أنه شخص عديم الأحاسيس أو المشاعر، بما تتضمنه هذه العدمية من قسوة في قلب غير قادر على الحُبّ. فالفيلسوف لا يُحبّ ولا يبكي ولا تأخذه الشفقة، لأنه يشتغل بالأمور العقلية، والعقل بطبيعته غير ميّال إلى الأهواء والوجدانيات الرقيقة.
وقد شكّلت هذه الصور النمطية عقبة أمام تفهّم الناس لحقيقة الفيلسوف أو لطبيعته الأساسية. فهو إنسان بالدرجة الأولى، قبل أن يكون فيلسوفاً، لذا يجري عليه ما يجري على الناس من حزن وسعادة وما إلى ذلك من مشاكل الحياة وإشكالاتها. لكن أن يتم عزله ووضعه في قالبٍ مُعدّ سلفاً في الأذهان، فذلك لا يُشكّل انحيازاً مبدئياً لفكرةٍ أحادية تُنمّط الناس وفقاً لرؤى مسبقة، بما يضع فكرة التنوّع والثراء في الاجتماع الإنساني موضع تساؤل مبدئي، نظراً لامتلاك الناس عقلية إلغائية بشكل مبدئي لكثير من أنماط التفكير الأخرى، حتى من دون دراسة أو تمحيص. بل يُشكّل أيضاً مثلبة أخلاقية في النظر إلى الناس، فهو إذ يمنح بعضهم صفات لا وجود لها في ذهنه، فإنه يُمارس نوعاً من العنف الأخلاقي بإزاء إنسان كان من المفترض أن يُعامله سواء بسواء مع غيره، لا سيما ما تعلّق بالأمور الأساسية التي يشترك فيها الناس جميعاً، من كان منهم حدّاداً أو كان نبياً؛ فيلسوفاً أو راقصة؛ سائق حافلة أو عاطلا من العمل...الخ.
لكن هذه الصور لا وجود لها بالأساس إلا في الأذهان، ووجود بعض الحالات الفردية في الواقع المعيش لا يعني إطلاق تعميمات كلّية. فما يجري على الناس يجري على الفيلسوف، فهم إذ يبكون فإنه يبكي وينزل الدمع من عينيه وينشج مع كل هطلة من هطلات دموعه. وهم إذ يضحكون فإنه يضحك وينقلب على ظهره من شدّة الضحك ساعة يسمع نكتة. وهم إذ يحبون فإنه يُحبّ، ويُشغف بأنامل حبيبته الرهيفة وأنفها الصغير وضحكتها المستهترة وشعرها المُسترسل. وهم إذ يتألمون فإنه يتألم؛ ينتابه حزن كبير وهو يفارق حبيباً مات، ويصاب بوجعٍ في القولون والمسالك البولية، وتؤلمه أسنانه –أي والله تؤلمه أسنانه كما يحدث لبقية الناس- وتتحطّم جمجمته ساعة يُصاب بالصداع... الخ.
إلا أنه قد يختلف عنهم في نقطة واحدة في موضوع انكسار قلبه، وهي بالضرورة منسجمة مع أطروحته الفلسفية بالدرجة الأولى، فهو إذا ما آمن بأن غرضه الأساسي في مشروعه الفلسفي، أن يصل إلى الأنماط البدئية التي تتحكّم بكلّ شيء، أو المُحرّك الأول بلغة أرسطو، واعتبرَ وفقاً لهذه المقاربة أنّ نمط حُبّه نمط بدئي، وقاس عليه إحداثيات هذا العالَم؛ أعني تحوّله إلى مُحرّك تتحرّك الموجودات في ذهن الفيلسوف، وفقاً لنواميسه، فإنّ حُبّه يكون حباً استثنائياً، وارتكاسته تكون ارتكاسة استثنائية إذا ما حدثت.
(2)
في البدء، يُحدّد الفيلسوف غرضيته المعرفية كاملة، فهي إما:
1-    غرضية أصيلة تسعى إلى الوصول إلى النبع الأساسي، والتحكّم بمجريات كل شيء من هناك.
2- غرضية عرضية تبقى تناور على التخوم، ولا تضيف أصيلاً إلى المعارف المتداولة، بما يمكن أن يحدث إزاحة حضارية في العالَم.
وفقاً لهذا التحديد تتحدّد نوعية الانكسار الذي يمكن أن يتعرّض له الفيلسوف على المستويين المعرفي والوجداني. فإذا ما قرّر أن تكون غرضيته غرضية أصيلة لا ترضى بأقل من الأنماط الأولية وإعادة تشكيل طينة هذا العالَم من جديد وفقاً لتلك الأنماط، ثم أخفق في الوصول إلى تلك الغرضية، فإنه يتحطّم معرفياً، ويبقى لبقية العُمر يلملم جراح عقله الذي أثخنته حرب ضروس لم يكن أهلاً لها ابتداءً. فهو إذ يسعى جاهداً مستخدماً أقصى طاقاته الذهنية إلى تفكيك بنية هذا العالَم، لغاية الوصول إلى جذوره، والعمل من ثمّ على تركيبه من جديد. ثم يصطدم بجدارِ قضايا عرضية تُشغله عن هاجسه الأساسي، فإنه يرتطم ارتطاماً قوياً على المستوى المعرفي، فجهده المبذول على المستوى العقلي أقل من أن يصمد أمام موجة الأنماط البدئية العاتية.
وسيكون لهذا التحديد أيضاً نتائج ملموسة على المستوى الوجداني، فإذا ما أحبَّ الفيلسوف، معتبراً أن حُبّه بمثابة نمط بدئي واقعي، وبناء عليه يُعيد إنتاج العالَم في ذهنه، فإنه يذهب بعيداً في خياراته الوجدانية، فهو يحلّ حلولاً أخيراً في محبوبه معتبراً إياه نبع هذا العالَم. لكن في حال أخفق هذا النمط من الحب، عليه ساعتئذ أن يدفع ثمناً باهظاً لهذه الاندفاعة الوجدانية الأصيلة. فهو إذ يرتكس فإنه لا يفقد حبيبه فحسب، بل ومعناه الأنطولوجي في هذا العالَم أيضاً، لذا تراه يقضي بقية وقته في مداراة آلام قلبه الموجعة، إلى أن يأذن بالموت والرحيل.
(3)
إذاً، ينكسر قلب الفيلسوف مرتين:
مرةً ساعة يُخفق في الوصول إلى الأنماط البدئية التي تقوم عليها إحداثيات هذا العالَم، لغاية إعادة برمجته وفقاً لرؤاه الفلسفية. فمشروعه الفلسفي هَهُنا مشروع هامشي، لا مشروع تأسيسي.
ومرة ساعة يتحطّم كما تتحطّم قلوب الناس، مع فارق واحد –ربما هو نوع من الحماقة أو الطيبة أو السذاجة أو العبط- هو أنه يعتبر حُبّه لحبيبه الأرضي، نوعاً من النمط البدئي، الذي تتحرّك إحداثيات هذا الوجود وفقاً لنواميسه. لذا تكون ارتكاسته ارتكاسة مضاعفة، فمشروع حُبّه إذ ينهار فمعه تنهار قيمته الوجودية في هذا العالَم.
في الانكسار الأول يضع الفيلسوف عقله بين يديه، ولبقية العُمر يداري ألماً كبيراً في بنيته المعرفية.
وفي الانكسار الثاني يضع قلبه بين يديه، ولبعض الوقت يداري ألماً كبيراً في بنيته الوجدانية، إلى أن يأذن بالموت والرحيل.

التعليق