"وأُمِرت لأن أكون أول المسلمين"

تم نشره في الخميس 17 آب / أغسطس 2017. 11:00 مـساءً
  • سورة الأنعام

د. محمد المجالي

في قراءة شاملة لآيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، نجد الدعوة لأفراد هذه الأمة أن يكونوا متفوقين متطلعين إلى أعلى الدرجات، آخذين بأسباب التفوق والعزة والنجاح، فلا يكون التواضع في موضع المسابقة بالخيرات والتنافس في الدرجات، بل يحرص كل واحد على أن يكون الأفضل.
هذه الآية من سورة الزمر، جاءت في سياق الحديث عن بعض صفات المتقين، وأهمها اليقين بالله تعالى والثبات على أمره، فلا يجوز للإنسان أن يتقلب في توجهه إلى الله بحسب مصالحه وأحواله، فذكر الله سبحانه حالتي الضر والنفع وكيف يتقلب كثير من الناس مع الله وفقهما: "وإذا مس الإنسان ضرٌ دعا ربه منيبا إليه، ثم إذا خوّله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليُضِل عن سبيله. قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار"، فهذا حال أصحاب الهوى والمصالح، الذين لم يدخل الإيمان قلوبهم، يدورون مع الإيمان حسب مصالحهم، فلا يقين ولا إيمان ولا توجه صادق نحو الله تعالى.
أما حال المؤمن فيبينه الله تعالى بقوله بعد تلك الآية مباشرة: "أمّن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنما يتذكر أولوا الألباب"، فشتان بين الصنفين، هذا طامع برحمة الله وجنته، يحذر الآخرة، ويعمل جادا من أجل الآخرة، مستقيم أمره مع الله لا حسب الأحوال والمصالح، وهذه بصيرة وعلم لا يستطيعها أي إنسان، بل أولوا الألباب الذين أعملوا عقولهم في سبيل الله، وعرفوا كيف التفوّق والنجاح في الدنيا، وكيف الفوز والفلاح في الآخرة، فهذه العبادة التي يقنتون من خلالها لله، خاصة في الليل حيث السكون والبعد عن المظاهر والرياء، هي قطعا من آكد أسباب البصيرة التي تنير طريقهم وتزيدهم يقينا بالله تعالى.
ثم يوجه الله سبحانه نبيَّه عليه الصلاة والسلام بأن يقول: "قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم، للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة، وأرض الله واسعة، إنما يوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب. قل إني أُمِرت أن أعبد الله مخلصا له الدين. وأُمِرت لأن أكون أول المسلمين. قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. قل اللهَ أعبد مخلصا له ديني. فاعبدوا ما شئتم من دونه، قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين".
إنه نداء عجيب أن يوجَّه للمؤمنين ليتقوا ربهم،  فالتقوى أعلى من مجرد الإيمان، فهي أنْ تحترز من المعاصي، وأنْ تجعل بينك وبين غضب الله وقاية، وهذه حقيقة ينبغي الانتباه إليها، فلا يصل درجة التقوى واليقين بالله تعالى إلا من ازداد إيمانه، ولا يزيد الإيمان إلا بالطاعة، وكلها أمور مرتبطة ببعضها، فالإسلام يريد منا أن نصل درجة المتقين بل المحسنين، فمن أحسن في هذه الدنيا يكافأ بها في الآخرة، فأرض الله واسعة لنهاجر فيها ونجاهد ونعتزل كل ما لا يرضاه الله تعالى إن لم يمكن تغييره، يقول مجاهد: "فهاجروا فيها وجاهدوا، واعتزلوا الأوثان، وقال: إذا دعيتم إلى معصية فاهربوا، ثم قرأ: "ألم تكن أرض اللّه واسعة فتهاجروا فيها"؟ فالحياة فيها صعاب ومشقة ومتاعب ومشاكل، وكل ذلك بحاجة إلى صبر، ولذلك قال الله تعالى (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)، قال الأوزاعي: ليس يوزن لهم ولا يكال، إنما يغرف لهم غرفاً، لسبب رئيس أن الصبر عبادة قلبية لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى، ومثلها الصيام الذي هو نصف الصبر، وقال الله عنه في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به"، لعظم فضيلة الصبر وأجره.
ثم يؤكد النص على الإخلاص لله تعالى، فلا يقبل الله تعالى من الأعمال إلا ما كان خالصا له سبحانه، فالله طيب لا يقبل إلا طيبا، فإخلاص الدين لله فيه من المعاني السامية ما يربط العبد بربه تعالى، عبادة وقصدا ودعاء وتوجها، فما خُلِقنا إلا لعبادته، ومآلنا إليه سبحانه، نطمع في جنته ونخشى عذابه، وشرط رئيس لقبول الأعمال أن تكون خالصة له، إضافة إلى صحتها وفق منهج الله: "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا".
بعد ذلك تأتي الآية عنوان المقال، (وأمرت لأن أكون أول المسلمين)، وليس بعيدا عنها إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم لأمته: (إذا سألتم الله شيئا فسلوه الفردوس الأعلى)، هكذا هو رفع الهمة، وهكذا ينبغي أن نكون طليعة بين الأمم، ونتسابق إلى القمة، ونخشى على أنفسنا في الوقت نفسه من عذاب الله تعالى، فلا نغتر بأعمالنا، فلن يدخل أحدنا الجنة بعمله، بل بأن يتغمده الله برحمته، ورحمة الله قريب من المحسنين.
المؤمن صاحب نفس راقية، رقيّها في إخلاصها لله تعالى، وفي إقدامها على الطاعة، حبا لله تعالى، وطمعا في جنته وخوفا من غضبه وعذابه، وحين يتعلق قلب المؤمن بخالقه سبحانه فهو في عزة عظيمة، وهو في شأن آخر غير ما يلهو به الآخرون، فشتان بين قلب معلّق بالله ذكرا وطاعة وانقيادا وحبا ورضا، وبين متقلب مجاف متحايل يدور مع مصالحه، أو حتى يعادي الله ودينه وأولياءه، فأنّى لهؤلاء أن يستشعروا قيمة الإخلاص، فضلا عن أن يكون في همّهم أن يكونوا أول المسلمين.
يحاول أحدنا أن يكون أول المسلمين دعوة والتزاما ومسارعة إلى الخيرات والمغفرة وحب كل ما يحبه الله، أن يكون طليعة في مواجهة أعداء الله تعالى، يوالي الله ورسوله والمؤمنين، ويبرأ إلى الله مما سواهم، يصدق عليه قول الله تعالى: "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين".

التعليق