د.باسم الطويسي

الشاحنات المقدسة

تم نشره في السبت 19 آب / أغسطس 2017. 12:07 صباحاً

لا جديد في هجوم برشلونة والهجمات الأخرى التي شهدتها مدن اسبانية الا المزيد من الضحايا الأبرياء، فعمليات الدهس بالشاحنات تجسد ظاهرة أخذت تتنامى منذ العام 2014، بينما الفاعل في كل مرة سجين سابق ومعروف لدى الشرطة والاجهزة الامنية، وفي كل مرة يعلن تنظيم "داعش" مسؤوليته عن العملية، وكل مرة يطلع علينا خبراء الاسلام السياسي على الشاشات ويضفون على هذه التنظيمات الظلامية المزيد من القوة والقدرة على اختراق أعتى النظم الامنية، وفي كل مرة يواجه العالم الاسلامي هذه الهجمات بردود رمادية لا تملك الحسم او على الاقل الوضوح الاخلاقي، وكأن ما يحدث يجرى في كوكب اخر ومن يرتكبون هذه الجرائم ينتمون الى اديان وقبائل من عالم آخر.
هجوم برشلونة ذهب ضحيته 13 شخصا، وتبعته محاولة هجوم بشاحنة في منطقة سياحية أخرى، ويقال ان وكالة الاستخبارات الاميركية حذرت من هجوم محتمل في اسبانبا. يحدث هذا الهجوم في الوقت الذي يتراجع فيه "داعش" وتلاحَق عناصره في كل من العراق وسورية، ما يؤكد فرضية الحاجة الى العودة لمسار التحليل الثقافي ومسار التحليل الاجتماعي -الاقتصادي لفهم حالة الفصام التي تشهدها هذه الاجيال وعلى رأسها الازمة الكبرى التي تعيشها الطبقة الوسطى في المجتمعات العربية والاسلامية.
تعد ظاهرة الشاحنات المقدسة اسلوبا يعود الى تنظيم القاعدة في اليمن والذي وصفها في احد بياناته في العام 2010 بـ"آلات القص" في تشبيه لئيم لطريقة الشاحنات في قتل المارة بآلة القص التي تحصد الاعشاب. ومنذ العام 2014 اخذ "داعش" بتبني هذا الاسلوب بعد سنوات طويلة من العمليات الارهابية بالسيارات المفخخة، واكبر العمليات التي جرت باستخدام الشاحنات هجوم نيس في العام الماضي 2016 حيث هاجمت شاحنة كانت تسير بسرعة كبيرة جمعا من الناس كانوا يحتفلون في يوم عطلة وطني وقتل 84 شخصا جراء الهجوم. وامتد هجوم الشاحنات إلى المانيا حينما استهدف سائق شاحنة تونسي الاصل سوقا لاعياد الميلاد وقتل 12 شخصا، وفي آذار الماضي قتل سائق شاحنة عددًا من المارة على جسر "وستمنستر" في لندن، قبل أن تصل هذه الشاحنة إلى مبنى البرلمان، ويترجل منها شخص طعن ضابط شرطة استوقفه؛ ما أسفر عن سقوط خمسة قتلى، إضافة إلى 40 جريحًا.
شاحنات برشلونة وما أوقعته من ضحايا الى جانب تفجيرات مدريد العام 2004 التي راح ضحيتها نحو 200 شخص تبين أنه اصبح للعرب ذكريات اخرى مع المدينتين الاسبانيتين تضاف إلى ذكريات سوداء مع عشرات المدن الغربية، ولكن ثمة ذكريات لا تقل سوداوية بل تتجاوزها مع مدن عربية من حلب وتدمر الى الموصل وبرقة فتكت بها هذه الجماعات واخرجتها من التاريخ.
الشاحنات المقدسة التي تحصد البشر بدون ان تميز أجناسهم او اديانهم لا تعبر فقط عن لوثة فكرية دينية، فهذه الشاحنات لا تحمل مصاحف ولا تتوقف رمزيتها على الهتافات الدينية، بل تحمل رمزية فشل انظمة اجتماعية وثقافية، وفشل الدولة الوطنية جنوب المتوسط، وأزمة كبرى تعيشها الطبقة الوسطى في المجتمعات العربية في الداخل والخارج.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الشاحنات القاتله؟؟ (يوسف صافي)

    السبت 19 آب / أغسطس 2017.
    وما دور الخبراء فيما يسمى بالإسلام السياسي اذا تقبلنا بالمسمى جدلا أستاذ باسم وخوارج الأمة من داعش وغيرها؟؟؟ الضربات متوقعه وفق المنشور والمعلن في بلاد الغرب ممن سمّن هؤلاء وأفاض عليهم تربيه وتعليم وثقافة واستقبلهم واواباؤهم الى بلاد العسل والسمن بعد ان ضاقت سبل عيشهم تحت ظل حكومات سايكس بيكو التي قبلت المبعثر؟؟؟ فشل الدولة الوطنبه في جنوب المتوسط (تناغما وشرق اوسط جديد) وأزمة كبيرة تعيشها الطبقة الوسطى في المجتمعات العربيه(وان ناقضت المسمّى تمييزا من أجل التخصيص لما اطلقت عليه جنوب المتوسط )في الداخل والخارج (وهل بقى وسطى في الداخل امّا الخارج شكرا لمن سمّنه ) الوقوف على جوهر الأسباب والمسبب الكفيل بالخروج من هذه الحالة الدخيله على مجتمعاتنا ؟؟ هبّت الشعوب في المنطقة من أجل التغيير والإصلاح وخلع عباءة التبعيه لهذا وذاك نحو استقلال القرار والذات والتحكم بالمقدرات والثروات (الربيع العربي) حتى اصاب القوى المضادة المتوقعه الضرر في الداخل والخارج السعار ونجحت بحرف بوصلة الطفرة (الربيع العربي) وأشعلت حرب المصالح القذرة التي تحرق المنطقه (الفوضى الخلاقّه المخطط لها منذ زمن بوش الأبن بعد فشلهم برسم خريطة الشرق اوسط الجديد) وما زاد الطين بلّه فشل الأحزاب والنخب والمثقفين والإعلاميين (مع جل احترامنا للقابضين على الجمر منهم ممن ضاعت اصواتهم ) في تشكيل مجلس سلامة للحفاظ على وجهة بوصلة طفرة الشعوب التي أشبه بزلزال لاأحد قادر على توقيته وتحديد قوته وارتدادته وسرعة رياحه تسوناميه ؟؟؟ ولكل حصان كبوة والأهم الأ حانت الصحوة بالخروج من مربع جلد الذات ؟؟؟ التي تزيد الإحباط احباطا وضعفا ولوجا الى تلفع مظلّة تحت الوصايه عوضا عن التبعية للغير التي هي جل أسباب المشكلة وفقدان القرار ؟؟؟