موفق ملكاوي

النقد والشتم.. وتعليم الحوار!

تم نشره في السبت 19 آب / أغسطس 2017. 12:06 صباحاً

ثمة بون شاسع جدا بين النقد من جهة، وبين التجريح والشتم من الجهة الأخرى.
يصدف أن تدخل نقاشا مع أحدهم على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، فتعبر عن رأيك في مسألة معينة، وتحافظ على خط الخلق وأدب الحوار في ما تقول. لكن مقابلك يبدو أنه لا يتمتع بما تتمتع به من أخلاق وفروسية، فيلجأ إلى أقصر الطرق لإسكاتك، وهو التخلي عن الإخلاق.
هذا السلوك مزدهر اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي، ومرده أن الحرية اللامسؤولة تأتي بتجليات غير سويّة، ولا يمكن لها أن تكون منصفة.
بالنسبة لي، ولجيلي، بدأنا الكتابة العمومية من خلال صحف  تخضع فيها الكتابة لمعايير وأخلاقيات عديدة، قد يتجاوزها البعض أحيانا، لكن في الغالب تتم مراعاة تلك المعايير، ويتحمل من يتجاوزها المسؤولية الأخلاقية والإدارية والقانونية.
في تلك الأثناء، ازدهرت الصحافة الأسبوعية التي اختطت لنفسها مسارا مغايرا، خلخلت بواسطته مفاهيم كثيرة، وتعرضت للأشخاص والأسماء والأعراض. وما كدنا ننتهي من الأجواء السلبية التي خلفتها حتى جاء طوفان المواقع الإلكترونية التي كان عملها بلا قوانين ولا معايير مهنية أو أخلاقية، فزادت من حالة الفوضى الموجودة في الأصل، وبدأ العامة يعتقدون أن ما تفعله تلك المواقع هو في صميم عمل الصحافة، خصوصا مع غياب الجوانب القانونية الرادعة التي كان يمكن لها أن تخفف من غلواء تلك المواقع. حتى القضايا القليلة التي وصلت إلى المحاكم ضد بعض المواقع كانت تنتهي بـ"تبويس لحى" وشرب فنجان من القهوة.
لكن الفوضى الحقيقية جاءت من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، حين افتتح كل شخص "دكانة" صغيرة، وبدأ يفتي بالإعلام، ويبث الأخبار، ويطلق التقييمات والتهم وسيول الشتائم.
في دراسة لنيل درجة الماجستير، رصدت إحدى الباحثات عشرات الحالات التي كانت فيها مواقع التواصل الاجتماعي سببا مباشرا لتهديد السلم المجتمعي، ومرات أخرى كانت مصدرا للأخبار الكاذبة المضللة، أو سببا في الشحن الإقليمي أو الطائفي، أو التخندق.
خلال السنوات القليلة الماضية، ظهرت جميع أمراض المجتمع من خلال تلك المواقع، وتبين لنا حجم الجهل والكراهية والبغضاء والطائفية والإقليمية والعنصرية التي ينطوي عليها مجتمعنا. وبتنا متأكدين من أن تلك الأمراض تحتاج إلى دراسات معمقة وتشريح لكي نصل إلى بداية الطريق لحلها.
اليوم، يبدأ الأطفال من سن صغيرة بافتتاح صفحات لهم على مواقع التواصل، خصوصا فيسبوك، وهم يقرأون ما تشتمل عليه تلك المواقع، وأحيانا ينخرطون بنقاشات مع أقرانهم، فلا بأس، إذن، أن يتم إفراد حصص لهم في مدارسهم حول ثقافة الحوار، وتدريبهم على التمييز بين النقد والشتم والتجريح. وأيضا، أن يخضعوا لمعرفة الثقافة القانونية التي تحدد حرياتهم في ما يكتبون على صفحاتهم.
لكن، وقبل ذلك، ينبغي أن يتم اختيار معلمات ومعلمين قادرين على أن يأخذوا على عاتقهم هذه المهمة، وأن لا يكونوا هم أنفسهم من الجاهلين بهذه المعايير الأخلاقية والقانونية.
إن نجحنا في ذلك، فأعتقد أننا سنبدأ التأسيس لمرحلة ما بعد تأثيرات الصحافة الأسبوعية التي وضعت سنّتها غير الحميدة في المجتمع، وتطورت مع المواقع الإلكترونية، وشبّت كالنار في الهشيم مع مواقع التواصل.

التعليق