مكفوفون صغار.. أنامل تبدع في رسم لوحات بيكاسو

‘‘عبق اللون‘‘: مبادرة تدعم المكفوفين وتسعد المرضى - فيديو

تم نشره في الأحد 20 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً - آخر تعديل في الأحد 20 آب / أغسطس 2017. 12:03 صباحاً
  • جانب من ورشة “عبق اللون في مستشفى فرح” للمكفوفين بمبادرة من الفنان سهيل بقاعين- (تصوير: اسامة الرفاعي)

منى أبو صبح

عمان- استكمالا لحلم “اكتشاف مواهب الرسم للمكفوفين”، أطلق الفنان التشكيلي سهيل بقاعين مشروعه الجديد “عبق اللون في مستشفى فرح” من خلال ورشات عمل للطلاب الموهوبين من أكاديمية المكفوفين الملكية.
“الغد” رافقت الورشة السادسة لهذا المشروع في مستشفى فرح للأطفال، للالتقاء بطلاب أكاديمية المكفوفين الملكية لتسليط الضوء على موهبتهم المميزة في الرسم وتطورها منذ اكتشافها على يد الفنان سهيل بقاعين، وصولا لإنشاء هذا المشروع.
أراد بقاعين في “عبق اللون في مستشفى فرح” إطلاع الآخرين على أعمال هؤلاء الطلاب، فخصص له المستشفى مكانا خاصا بالرسم (جاليري المستشفى) يستطيع من خلاله إقامة ورشات العمل، يأتي الطلاب إليه يرسمون، وتعرض أعمالهم الفنية به.
ويأتي الزوار ويرون هذه اللوحات التي يمكنهم من خلالها شراءها وتقديمها كهدية للمرضى الأطفال، كما يستمتع الصغار بمشاهدة أعمال هؤلاء الفنانين الصغار، ويذهب ريع هذه الأعمال للأطفال المكفوفين أنفسهم.
بدأت ورشة الرسم في المستشفى بكلمات التحفيز والتشجيع من قبل الفنان بقاعين للفنانين الصغار، يرافقهم ذووهم لدعمهم والاطلاع على مهاراتهم المميزة، وخصص بقاعين هذه الورشة في الرسم للاستفادة من أعمال الفنانين العالميين، ومحاولة رسم لوحات تشابه وتحاكي لوحاتهم، ووقع اختيارهم على الفنان العالمي الشهير بيكاسو.
الفنانة الصغيرة لانا عبدالله (12 سنة) في الصف السادس، برعت أناملها في رسم لوحة جميلة؛ حيث قامت برسم سيدة تتأمل وبيدها المنديل تبدو ملامح الحزن على وجهها لفقدانها شيئا ما، وهي نقلا عن إحدى لوحات الفنان بيكاسو.
“لانا” فاقدة للبصر بعينها اليسرى منذ الولادة، والعين الأخرى بقايا بصرية، لكن شغفها وولعها بالرسم وهي بعمر الثلاث سنوات أو الأربع دفعاها لتشكيل الأبعاد بيديها كما ترى مثل “التلفاز، النجوم، القمر، الأشجار..” لكنها لا تعرف كيف يمكنها تمثيله على الورق، لحين زيارة الفنان سهيل بقاعين لأكاديمية المكفوفين.
تفاعلت لانا وأقرانها المهتمون بالفن مع ما قدمه الفنان بقاعين في حصص الرسم المخصصة أسبوعيا في الأكاديمية، وبدأت تتعلم شيئا فشيئا أساسيات الرسم ومزج الألوان والتعبير عنها.
“لانا” متفوقة في دراستها، وتحرز المركز الأول في الصف، تحب الرسم في أوقات الفراغ، تنشغل به وتستمتع بما تنجزه ويعجب به الآخرون، وقامت برسم العديد من اللوحات الجميلة، ولفتت انتباه الجميع برسمها لجلالة الملك عبدالله الثاني والملكة رانيا العبدالله.
تمتلك “لانا” موهبة أخرى هي كتابة القصص، وقد برعت في كتابة قصة “عبق اللون” التي تتحدث بها عن فتى كفيف، يعشق اللون والحياة، تبناه فنان عالمي أنار دربه وقدمه للجمهور، وأصبحت له بصمة واضحة في هذا العالم.. وهذا تماما ما تطمح إليه “لانا” وزملاؤها الفنانون الصغار في الأكاديمية.
أما أسيل رمان في الصف السابع، فتحول الرسم في نفسها لحاضر ومستقبل، بعد أن كان مجرد هواية، لكن بعد الدعم والتشجيع اللذين تلقتهما من معلمها بقاعين، أصبحت تفكر وتطمح لأن تصبح دكتورة في كلية الفنون الجميلة.
ورسمت الفنانة الصغيرة أسيل في هذه الورشة “مهرجا” استطاعت نقل تفاصيله كاملة من إحدى لوحات بيكاسو أيضا، فهي تجيد النقل والرسم من الخيال وكذلك الرسم التعبيري عما يدور ببالها.
تشعر والدة أسيل بأن ابنتها متميزة بالرسم، ولها اتجاه خاص، وتقول: “تعلمت ابنتي الرسم في الأكاديمية على يد الفنان بقاعين، خطوة بخطوة، وعندما تعود للمنزل نتحدث معها وتطبق ما تعلمته.. شيئا فشيئا، حتى أصبحت الآن ترسم لوحات غاية في الجمال والروعة”.
أسيل الجميلة مصابة بمرض “ضغط العين” وهو من الأمراض المزمنة، ولديها بقايا بصرية “عينان بلا عدستين”، تأخذ علاجات من أدوية وقطرات، وخضعت لأكثر من عشر عمليات سواء بالليزر أم جراحية.
يتسلل الفرح لقلب أسيل بمجرد أن تبدأ الرسم، وتقول: “عند الرسم تضيع العقول” بديلا عن مقولة: “عند البطون تضيع العقول”، فهي تشعر بأنها في عالم آخر مليء بالفرح والجمال”، بالإضافة لامتلاكها موهبة أخرى في الغناء جعلتها تشارك في كورال الأكاديمية.
“الرسم غير شخصية ابنتي بالكامل”، بهذه الكلمات أكدت والدة الطالبة آلاء أبو خضرا في الصف التاسع الأثر الإيجابي على ابنتها جراء تعلمها الرسم وممارسته ومن ثم الإبداع فيه.
وتقول: “كانت ابنتي انطوائية، تتجنب الخروج واللعب مع الأطفال الآخرين، بسبب فقدانها البصر، فهي مصابة بتلف في العصب البصري والشبكية، ولديها بقايا بصرية، وهذا الأمر كان يزعجني.. وأسعى لتصحيحه لكن بدون فائدة”.
تتابع: “عندما بدأت ابنتي بالرسم، زادت ثقتها بنفسها بأنها تستطيع أن تنجز شيئا مهما، وأصبحت تخالط الآخرين وتتحدث معهم عن لوحاتها، وتسر جدا عندما يبدون إعجابهم بما ترسم”.
الرسم دفع آلاء إلى المشاركة في النشاطات المدرسية المتنوعة التي تقوم بها الأكاديمية، مما جعلها تشارك في رياضة كرة الهدف، وكورال الأغاني التراثية.
أما آلاء فأحبت في هذه الورشة خوض تجربة الرسم التكعيبي، واستعانت بإحدى لوحات بيكاسو، وحاولت تغيير بعض الخطوط والألوان وإضافة عناصر جديدة للوحاتها، مؤكدة أنها تفضل أن تكون لها بصمة خاصة في أي لوحة ترسمها.
يقول الفنان بقاعين في هذه الورشة: “نواصل في هذا المشروع ما بدأنا به قبل سبعة أعوام بمشروع قارئ اللون وعبق اللون، خصوصا بعد أن حظينا بتكريم من جلالة الملك بوسام الملك عبدالله الثاني ابن الحسين للتميز من الدرجة الثالثة، وهذه شهادة بأهمية عملنا وتضع على عاتقنا مسؤولية كبيرة في العطاء والبذل”.
بدأت رحلة بقاعين في تعليم المكفوفين الرسم منذ الصفوف الأولى في الأكاديمية الملكية للمكفوفين، وتنوعت طرق تعليمهم سواء عن طريق استثارة خيال طلابه باللون والوصف أو الشم لروائح الألوان لكي ينفذوا أعمالهم ويعبروا عن مكنوناتهم وأحاسيسهم.
يؤكد بقاعين، في حديثه، أنه سيواصل تجربته مع المكفوفين في الرسم، رغم المعوقات كافة التي واجهته، وذلك لإيمانه بضرورة دعم ورعاية هذه الفئة، فهي تمنحهم طاقة إيجابية وتعزز ثقتهم بأنفسهم، كما تسهم في دمجهم في المجتمع، حيث أصبحت لوحاتهم متوفرة في العديد من الهيئات والمؤسسات والأكاديمية الأردنية والعربية.

التعليق