كيف يتكيف السوريون في تركيا مع المناخ السياسي المستقطب

تم نشره في الأربعاء 23 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً
  • مخيم للاجئين السوريين في الأراضي التركية - (أرشيفية)

إبراهيم دوغوس - (نيوستيتسمان) 15/7/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

أصبحت تركيا موطناً لأكبر عدد من اللاجئين في العالم. ويشكل ذلك نقطة تحول بارزة بالنسبة لبلد أصر، عند التوقيع على معاهدة اللجوء التابعة للأمم المتحدة في العام 1951، على أنه ملزم من الناحية القانونية باستيعاب الهاربين من "الأحداث التي تجري في أوروبا". وبانتقالنا بسرعة إلى الأمام في الزمن، وبعد مرور أكثر من 60 عاماً على ذلك التاريخ، من المرجح أن إسطنبول تستضيف من اللاجئين السوريين أكثر مما يوجد في دول الاتحاد الأوروبي. وأصبحت تركيا، التي كانت ذات مرة مترددة في الانجرار إلى أزمات جيرانها في الشرق الأوسط، هي التي تقود الاستجابة الإنسانية للكارثة في سورية، على النقيض من أوروبا.
بحلول 15 حزيران (يونيو) 2017، كان هناك 3.049.879 لاجئاً سورياً مسجلاً في البلد، ويرجح أن يكون الرقم غير الرسمي أعلى بكثير. ويقيم أقل من 10 في المائة من هؤلاء في مخيمات اللجزء. أما الباقون فقد سكنوا في المدن على طول الحدود التركية-السورية في الجنوب الشرقي، مثل أورفة وكليس، أو في المدن الحضرية الضخمة في اسطنبول وأنقرة وأزمير.
عندما بدأ السوريون أول الأمر في الفرار بأرواحهم عبر الحدود في حزيران (يونيو) من العام 2011، كانت الحكومة التركية ما تزال تعمل وفق افتراض أن نظام الأسد سوف يتبع نظام مبارك في مصر، وأنه سوف يخضع للموجة الديمقراطية التي تكتسح العالم العربي.
متعاطفاً مع تطلعاتهم وواثقاً من أن العملية لن تستغرق طويل وقت، رحب حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم بالسوريين الملاحقين –ليس كلاجئين، وإنما كأناس تحت "الحماية المؤقتة". ولذلك، مُنح السوريون وصولاً مجانياً إلى الرعاية الصحية، وأنشئت لهم مراكز للتعليم المؤقت لضمان أن لا يضيع على الأولاد النازحين الكثير من تعليمهم المدرسي.
بالنظر إلى الوراء، كان ترحيب تركيا باللاجئين السوريين عملاً ينم عن لباقة إنسانية لا نظير لها تقريباً، وواحداً تستحق معه الحكومة التركية والمواطنون الأتراك الثناء والامتنان. لكن الحقيقة هي أن المدى النهائي وعظم أزمة اللجوء السوري أخذا المسؤولين في أنقرة بالمفاجأة.  وكانت النتيجة سلسلة مؤقتة من السياسات الرعوية، وحيث يعول السوريون على حسن نية الحكومة. لكن المؤسسات الرسمية تكافح للتكيف مع هذا الوضع.
بعد أن أصبح اللاجئون السوريون عالقين في الليمبو، فإنهم يجدون أنفسهم مُرغَمين على التواجد في منطقة قانونية رمادية. كانت حقوق السوريين بموجب وضع الحماية المؤقتة مضمونة فقط من خلال قانون صدر في العام 2014، والذي ما يزال من الممكن سحبه من الناحية الفنية. وعلى الرغم من أنه يجري حالياً إصدار عدد صغير من تصاريح العمل، فإن معظم السوريين لا يملكون من الناحية الأساسية أي حق للعمل في تركيا.
وبدلاً من ذلك، تُجبر الغالبية العظمى منهم على إيجاد عمل من خلال وسائل أخرى. والاستغلال منتشر، ويقدر أن ما يصل إلى 300.000 طفل سوري منخرطون في نوع ما من العمل غير الرسمي. وثمة تقارير متزايدة عن حالات زواج بالإكراه، حيث يقترن رجال بزوجة سورية ثانية (بطريقة غير قانونية أو شرعية).
تسبب هذا التوجه في خلق توتر مع المجتمعات في تركيا، التي غالباً تشعر بأن اللاجئين السوريين يتسببون في خفض الأجور المحلية، ويتمتعون بوصول غير عادل إلى الخدمات. وتم تسجيل عدد متزايد من حوادث العنف، وخاصة في الأسابيع الأخيرة.
في اسطنبول، طُعن رجل بعد ظهور تقارير عن تحرش شاب سوري بامرأة تركية، مما اضطر شرطة مكافحة الشغب إلى استخدام الغاز المسيل للدموع لوقف المزيد من العنف. وفي مدينة شمشون، كاد رجلان سوريان يتعرضان للشنق بعد مزاعم بأنهما كانا يلتقطان صوراً لنساء يتمتعن بحمام شمس على الشاطئ.
تذكي الشائعات والشكوك في جزء منها نار عدم التعاطف مع السوريين في تركيا. لكن كل الأطراف تميل في المناخ السياسي التركي المستقطب إلى رؤية القرارات على أنها تتخذ بدافع خفي. ولا يعتبر قرار الحكومة استقبال اللاجئين السوريين شيئاً مختلفاً، وقد أصبح سبباً للقلق الاجتماعي والاقتصادي على حد سواء.
من جهتهم، يشترك العلمانيون والعلويون في الخوف من تداعيات ما يعتبره البعض تدفق السُنة المتدينين. ويشعر القوميون الأتراك بعدم الارتياح من تنامي النفوذ العربي في البلد، حتى أن بعض المعلقين الأكراد اتهموا الحكومة بالسعي إلى تغيير التركيبة الديمغرافية في جنوب شرق تركيا، حيث توجد الحركة السياسية الكردية الأقوى.
يتهم الجميع الحكومة التركية بالسعي إلى تحقيق مكاسب سياسية، خاصة بعد إثارة احتمال منح السوريين حقوق المواطنة الكاملة والتصويت خلال الاستفتاء الأخير على الدستور. وهناك بالتأكيد أولئك في داخل حزب العدالة والتنمية من الذين يرون في أنفسهم قادة لشعب خارج حدود تركيا، وسوف يكونون سعداء الآن باعتبار السوريين داخل دائرتهم الانتخابية الطبيعية.
هذا جانب واحد فقط من القصة. نعم، فهناك تشاؤم واسع النطاق من الحكومة، لكن ذلك يوازيه تعاطف وتفهم للسوريين أنفسهم. وفي الأثناء، يعمل المجتمع المدني المحاصر في تركيا بجد لملء الفجوات التي تركتها الحكومة، حيث تلعب المنظمات النسوية على وجه الخصوص دوراً حيوياً. وهناك قصص لا تعد ولا تحصى عن أتراك وأكراد عاديين يشاركون أعمالا خيرية، مثل التنازل عن غرفهم الأمامية لعائلات سورية.
كانت منطقة الأناضول دائماً موطناً لتعددية من المجتمعات المتعالقة، والتي شكلها تاريخ مأساوي للنازحين. وسواء كان ذلك التبادلات السكانية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى أو مئات الآلاف من الأكراد الذين تشردوا داخلياً، فإن المجتمع السوري هو مجرد اللجوء الأحدث الذي يترك بصماته على المجتمع في تركيا.

*مؤسس ومدير مركز الدراسات التركية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
How Syrians in Turkey re coping with a polarized political climate

التعليق