محمد أبو رمان

عالقون في قضايا معقّدة

تم نشره في الأربعاء 23 آب / أغسطس 2017. 12:10 صباحاً

قُتل ابنهم في سورية، بعدما انضمّ إلى جبهة النصرة منذ شهور، وأُرسلت لهم صوره من قبل التنظيم، ونُشرت على صفحات لرفاقه في التنظيم، وله زوجة وأطفال هنا في الأردن، لكن عائلته أصبحت معلّقة أكثر بعد مقتله، من حياته حتى وهو في سورية، فهم اليوم يريدون إنهاء الملف القانوني، من معاملة إرث، وتحرير زوجته في حال كانت تريد الزواج مرّة أخرى، وتعريف الوضع القانوني بصورة واضحة.
 المشكلة أنّ الوضع القانوني معلّق هو أيضاً، فلا يوجد مسار واضح لهذه الحالة من قبل المؤسسات السياسية والاجتماعية والقانونية، والطريق الذي نُصحت عائلته باللجوء إليه هو طريق القضاء إمّا الشرعي أو النظامي، وفق ما أخبرني مختصون بالقانون، فإذا كان يراد إثبات أنّه مفقود، ما يسمح للمرأة بالطلاق والزواج، فإنّ الطريق إلى ذلك عبر القضاء الشرعي، أمّا إثبات الوفاة فإنّ طريق ذلك تكمن عبر القضاء النظامي، ولا بد من إثبات الوفاة، وهي مسألة متعسّرة جداً، لأنّ الصور وحدها لا تكفي، ربما تعدّ قرائن، لكن لا بد من شهود عيان يؤكدون ذلك.
    إذاً المسألة بالنسبة لإثبات الوفاة ومعاملات الإرث وغيرها معقّدة، وبالنسبة للطلاق أقل تعقيداً وممكنة، لكن الجانب القانوني في إثبات الوفاة هو الأكثر وضوحاً وتحديداً وتعريفاً بالجانب القانوني والقضائي، ونحن هنا لا نتحدث عن فرد أو فردين أو ثلاثة، بل عن مئات الأردنيين الذين قتلوا في سورية والعراق.
     لا أعرف فيما إذا كان هنالك مدخل آخر، بخاصة أن الموضوع متشابك، لكن الإطار العام له قانوني وقضائي، أكثر منه أمني، فحتى الأمن لا يمكنه تأكيد مقتل أشخاص أو نفي ذلك استناداً إلى مصادر ومعلومات استخبارية، فهل قضائياً يمكن إيجاد مسار معين أو خاص بحالة عائلات من قضوا مع تلك التنظيمات، ولم تثبت الوفاة ويصعب إثباتها، بخاصة أنّنا لا نتوقع وجود توافقات وتفاهمات بين العائلات نفسها في كثير من الحالات حول الأوضاع المالية والقانونية لزوجة وأطفال القتيل!
     يرتبط بهذا وذاك مسألة أخرى معلّقة تتمثل فيمن قُتل هناك وترك زوجته وأطفاله عالقين وأرادوا العودة، فهل هنالك تصوّر منهجي مدروس للتعامل معهم، بخاصة الأطفال والمراهقين، الذين غالباً ما تربوا على فكر تنظيم داعش ودرسوا عقائده؟! هل لدينا رؤية في كيفية معالجة تلك الحالات، بخاصة أنّنا بدأنا نتابع تغطية إعلامية لشبكات معروفة مثل الـBBC، عن الأطفال العائدين من الرقة والموصل إلى أوروبا، وكيفية معالجتهم ثقافياً ونفسياً وإعادة تأهيلهم؟
      المشكلة قد تتجاوز هذا الإطار إلى أنّ هنالك عددا غير معروف من الأردنيين أتمّ زواجه في سورية قبل أن يتم مقتله، وله أطفال عالقون هناك، لكن لا توجد شهادة مصدّقة من دائرة قاضي القضاة هنا، وبالضرورة من النظام السوري تثبت عملية الزواج والنسب، ففي حال حاولت عائلات أردنية، وهذا يحدث حالياً، إحضار أبناء ابنها القتيل هناك، فما هو المسار القانوني والخيارات السياسية والأمنية المتاحة.
     أعرف أنّ النخبة السياسية والرسمية، تحديداً، ومعهم نخبة من الإعلاميين والمثقفين، غير معنيين بهذه المشكلات والقضايا، ويقولون: ليست مشكلتنا؟ ولا مسؤوليتنا أن نرث ما تسبب به متطرفون انضموا إلى تلك الجماعات وقتلوا هناك!
    هذه الذرائع غير منطقية ولا واقعية، فمهما بلغ حجم التطرف والبعد الأمني، فإنّ هذه الدولة تحكم بقانون، وهنالك قضاء، وعلينا أن نفرّق بين الشخص وبين عائلته وبين الجوانب السياسية والأمنية وبين الأبعاد القانونية والقضائية، وكدولة محترمة علينا أن نفكر في المسارات والخيارات المتاحة، وعدم معاقبة العائلات والأطفال والنساء وأخذهم بجريرة من قُتلوا مع تلك التنظيمات هناك.

التعليق