الاستيلاء على الإعلام في العصر الرقمي

تم نشره في الأربعاء 23 آب / أغسطس 2017. 11:00 مـساءً
  • ناشط تركي يحتج على حملة الحكومة ضد حرية الإعلام - (أرشيفية)

آينا شيفرين*

نيويورك- لم تكن الأعوام القليلة المنصرمة كريمة مع حرية التعبير. فقد أصبحت حكومات بولندا، والمجر، وتركيا مستبدة على نحو متزايد، ومتلهفة على السيطرة على الخطاب العام -مثلها في ذلك كمثل زعماء البلقان، والصين، وروسيا. وفي الولايات المتحدة أيضاً، يحاول الرئيس دونالد ترمب بلا هوادة تشويه سمعة أجهزة الإعلام الإخبارية، فضلاً عن عجز الصحافة هناك، على نحو غير مسبوق، عن الوصول إلى أعضاء إدارته.
يبدو أن عصر الرقابة على الصحف وإعادة صياغة محتواها مادياً، كما حدث في فيتنام وميانمار، قد انتهى في الأغلب. ولكن حرية الصحافة تظل، كما تُظهِر التطورات الأخيرة، عُرضة لمخاطر شديدة، حيث تنخرط الحكومات و"المصالح الراسخة المتشابكة مع السياسة"، على حد تعبير العالِمة السياسية ألينا مونجيو بيبيدي، في نوع من السيطرة الناعمة التي يمكننا أن نطلق عليها وصف "الاستيلاء على الإعلام".
استخدم خبراء الاقتصاد مصطلح "الاستيلاء" بعد الأزمة المالية في العام 2008 لوصف فشل القائمين على التنظيم، الذين أتوا غالباً من (وعادوا إلى) الصناعة التي كان المفترض أن يشرفوا عليها، في مراقبة القطاع وضبط سلوكه على النحو اللائق. ويعمل الاستيلاء على أجهزة الإعلام على نفس النحو تقريباً، حيث يمتلك القادة السياسيون وسائل الإعلام صراحة (مثل سيلفيو بيرلسكوني في إيطاليا)، أو يعملون على ضمان ولاء قادة وسائل الإعلام لهم، سواء من خلال المحسوبية أو العقاب.
كان أحد أوائل البنود على أجندة الحكومة اليمينية المتطرفة في بولندا، التي يقودها بشكل غير رسمي ياروسلاف كاتشينسكي، يتلخص في تبني قانون إعلامي جديد يسمح لها بتعيين وفصل رؤساء شبكات البث العامة. وفي تركيا، سجنت حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان الصحفيين المنتقدين -مثل كاتب العمود الشهير أحمد ألتان وشقيقه محمد، وهو أستاذ جامعي- وأغلقت أو فرضت سيطرتها على مؤسسات الإعلام، باستخدام الخوف لفرض صياغتها للتقارير.
وفي نسخة أقل تطرفاً من نهج أردوغان، يتنمر ترامب على منتقديه، مثل محطة سي إن إن، وصحيفة نيويورك تايمز، مما يشجع منافذ إعلامية أخرى مثل وول ستريت جورنال، على التعامل معه بشكل لا يخلو من المحاباة. وفي أماكن أخرى، يقوم مقربون من الحكومة بمهمة التنمر والمضايقة: ففي جنوب أفريقيا استهدفت عائلة جوبتا، التي تتمتع باتصالات سياسية قوية، رئيس تحرير "بيزنيس داي آند فايننشال ميل" السابق بيتر بروس بسبب انتقاده الرئيس جاكوب زوما. وربما يحاول القادة أيضاً السيطرة على السرد من خلال حرمان المنظمات الإعلامية الانتقادية المحتملة من الوصول إلى المصادر والمعلومات، كما حدث في الولايات المتحدة، وبشكل أكثر عدوانية، في فنزويلا المبتلاة بالأزمات في عهد الرئيس نيكولاس مادورو.
يشكل الاستيلاء على وسائل الإعلام على هذا النحو أمراً بالغ الأهمية لتمكين الحكومات -وخاصة تلك التي تتبنى سياسات ربما لا تتمتع بشعبية كبيرة- لتعزيز الدعم العام. وقدج تمكن ترامب بفضل حملته ضد "وسائل الإعلام الإخبارية الكاذبة" من الاحتفاظ بولاء قسم كبير من قاعدته الانتخابية، على الرغم من الكشف عن أسرار ربما كانت لتدفن أي سياسي أميركي آخر.
مثلما يساعد الاستيلاء على أجهزة الإعلام في تشكيل التصورات العامة، فإنه قادر أيضاً على تشكيل النتائج الاقتصادية. وتزعم الخبيرة الاقتصادية ماريا بتروفا أن الاستيلاء على أجهزة الإعلام يمكن أن يعمل على توسيع فجوة التفاوت، وخاصة إذا كان الأثرياء هم الذين يتولون عملية الاستيلاء (وليس الساسة، الذين يمكن التصويت عادة لإبعادهم من مناصبهم). وعلى نحو مماثل، يعتقد جياكومو كورنيو من جامعة برلين الحرة أن التركيز الاقتصادي المتزايد يجعل انحياز أجهزة الإعلام أكثر ترجيحاً.
ليس الاستيلاء على أجهزة الإعلام ظاهرة جديدة. ولكن، كان المفترض أن يحررنا الإنترنت منها، على الأقل في الدول التي لا تكون فيها الرقابة على الإنترنت صريحة. فمع سقوط الحواجز التي تحول دون الدخول، وانتشار المنافذ الإعلامية، كما تصور كثيرون، يُصبِح من الصعب الاستيلاء عليها جميعا. وحتى إذا تم الاستيلاء على بعض المنافذ، يظل بوسع أجهزة الإعلام أن تؤدي وظيفتها الرقابية بفعالية، ما دام التنوع قائماً بالقدر الكافي. ثم تعززت هذه التوقعات بفعِل افتراض أن المزيد من المنافسة سيؤدي إلى أخبار أعلى جودة.
ولكن، ربما حدث العكس تماماً. فقد جعل ظهور وسائل الإعلام الرقمية من غير الممكن الاستمرار في الاعتماد على نماذج أعمال وسائل الإعلام التقليدية. وقد هاجر المعلنون إلى الإنترنت، حيث المنافذ رخيصة، وحيث أصبح المستهلكون، الذين يتمتعون ظاهرياً بخيارات مجانية لا نهائية، أقل استعداداً للدفع في مقابل المحتوى. ونتيجة لذلك، عانت وسائل الإعلام التقليدية من انخفاضات حادة في الإيرادات وخسائر واسعة النطاق في الوظائف.
وهكذا، تسببت الموارد المتضائلة في تقويض نوعية التقارير الإخبارية، خاصة وأن العديد من المنافذ التي تفتقر إلى الأموال النقدية، كما تزعم جوليا كاجي من سيانس بو (معهد باريس للدراسات السياسية) حاولت الوصول إلى أعرض جمهور ممكن. وتسببت الحاجة إلى متابعة النقرات على مواقع مثل فيسبوك، وتويتر، وغوغل، في تآكل قدرة أصحاب وسائل الإعلام القديمة على أداء دورهم التقليدي في ضمان المساءلة.
تسبب تدني عائدات وسائل الإعلام في تعزيز الاستيلاء عليها بطريقة أخرى رئيسية: فقد تغير الحافز إلى امتلاك منفذ إعلامي. فإذا لم تتمكن صحيفة من توفير العوائد الاقتصادية، فإن فرض النفوذ يُصبِح الدافع الرئيسي لشراء أو إدارة أي صحيفة. وعلى سبيل المثال، لم يشتر الملياردير الأميركي صاحب نادي القمار شيلدون أديلسون "لاس فيجاس ريفيو جورنال: في العام 2015 أو يستولي على وسائل الإعلام الإسرائيلية بغرض الحصول على المال.
مع سماح المشهد الإعلامي بالاستيلاء عليه على نحو متزايد، سوف تنحسر المساءلة السياسية والشركاتية. ولهذا السبب، أصدر مركز مساعدة وسائل الإعلام الدولية للتو تقريراً جديداً يسلط الضوء على هذه الظاهرة -ويدعو إلى إيجاد الحلول لها.
تشكل وسائل الإعلام التي تتمتع بالحرية والصحة ضرورة أساسية لتعزيز الديمقراطية العاملة. وإذا كنا نريد أن نحمي الديمقراطية، فيتعين علينا أن ندافع عن وسائل الإعلام بأي ثمن.

*مديرة تخصص التكنولوجيا والإعلام والاتصالات في كلية العلاقات الدولية والعامة بجامعة كولومبيا.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق