"هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون"

تم نشره في الخميس 24 آب / أغسطس 2017. 11:00 مـساءً

د. محمد المجالي

هذا هو القرآن العظيم، كتاب هداية شاملة للناس، في شؤونهم كلها، الوجدانية العاطفية، والعقلية التفكيرية، والسلوكية العملية، الدنيوية والأخروية، الفردية والجماعية، أنزله الله تعالى على قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم للناس كافة، ليس متعلقا بقوم دون آخرين، وهو بصائر لا مجرد بصيرة، والبصيرة محلها القلب لا مجرد البصر الذي محله العين: "إنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور".
ولم يقف النص عند وصف القرآن بأنه بصائر للناس، بل هو أيضا هدى ورحمة، وهما وصفان من أوصاف كثيرة وردت في حق القرآن، كالنور والروح والفرقان والذكر والشفاء والبركة، والاقتصار هنا على الهدى والرحمة لأن السياق يتطلبهما، حيث الحديث عن أقوام سابقين –خاصة بني إسرائيل- ديدنهم الضلال والحيرة، فكان وصف الهدى مطلوبا، أما الرحمة فهي المآل المرجو من الرسائل كلها، حيث الفوز بجنة عرضها السماوات والأرض. وذكر القوم الموقنين مهم لأن الهدايات والأنوار والآيات لا يفطن إليها أي إنسان، بل الذين يُعمِلون عقولهم، ويتأملون ويتفكرون، فيقودهم هذا إلى اليقين لا مجرد الظن والشك، ولهذا قال الله تعالى: "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد"، وقال: "هذا بيان للناس، وهدى وموعظة للمتقين"، فللناس بشكل عام هو بيان، بينما لا يهتدي به ويتعظ إلا المتقون أصحاب البصائر واليقين.
هذه الآية من سورة الجاثية، حيث ذكر الله فيها: "وترى كل أمة جاثية، كل أمة تُدعى إلى كتابها، اليوم تجزون ما كنتم تعملون"، وحين تُدعى كل أمة إلى كتابها وما فيه من هدايات ورسائل، ليُجزى كل إنسان على ما عمل وفق شريعته، ونعلم أنه بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم فقد هيمن القرآن على ما قبله، وهو الرسالة الوحيدة التي للناس كافة. وجاء في سياق السورة عموما التأكيد على حجية هذا القرآن، فجاء فيها: "ويل لكل أفاك أثيم، يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها، فبشره بعذاب أليم، وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا، أولئك لهم عذاب مهين.."، ويضم الله تعالى إلى هذه الآيات المتحدثة عن القرآن آيات أخرى في سعة ملكه ودقيق صنعه سبحانه، في النفس والكون، ويأتي الحديث عن بني إسرائيل على وجه التحديد، فقد آتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة، ورزقهم من الطيبات وفضلهم على عالمي زمانهم، وآتاهم من البينات ولكنهم اختلفوا، إلى أن يقول الله تعالى في حق هذه الأمة ونبيها: "ثم جعلناك على شريعة من الأمر
فاتبعها، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون، إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين، هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون".
هو توجيه واضح للنبي صلى الله عليه وسلم في أن يتبع شريعة واضحة، لا يتردد ولا يتحير فيها، بل أمره الله تعالى صراحة أن لا يتبع أهواء الذين لا يعلمون، وهم هنا حسب السياق بنو إسرائيل، ويُضم إليهم غيرهم من أهل الأهواء عموما، ولذلك جاء بعد هذه الآيات قول الله تعالى: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكّرون"، ويغلب على هؤلاء لهوهم وانغماسهم في حياتهم الدنيا، وحينها ينسون الآخرة التي حفل السياق بالحديث عنها إقرارا وحقيقة، فالبعث بعد الموت حق، ولا بد لكل نفس أن تقف أمام الله يحاسبها على ما قدمت.
وللعلم فهناك آية أخرى ذكرت البصائر، وهي في آخر سورة الأعراف: "وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها، قل إنما أتبع ما يوحى إليّ من ربي، هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون"، فهو ديدن الكافرين في الاستهزاء والتحدي غير المبني على أصول علمية، يطلبون ما لا يعقلونه، ويجيبهم صلى الله عليه وسلم بأنه مجرد مبلِّغ عن الله تعالى، والأهم أن هذا القرآن بصائر وهدى ورحمة، وهي الأوصاف نفسها المذكورة في سورة الجاثية، وهنا (لقوم يؤمنون)، وفي الجاثية (لقوم يوقنون)، ولا يوقن إلا المؤمن الذي وثق بربه سبحانه، وأيقن بإيمانه أنه كلام الله، وأنها شريعة الله التي أكملها وأتم بها النعمة ورضيها لنا سبحانه.
كم نحن بحاجة إلى هذه البصائر في حياتنا وقد غلب الجهل، وتقدمت العادات على الشرائع، وغلب الهوى على العقل، وكثر الانشغال بالدنيا على حساب الآخرة. نريد بصائر في تعاملنا مع أنفسنا تهذيبا وتقويما وسموا وهمة، وكيف ننشغل بما ينفعنا ونرتقي به، فكم من نفوس ارتقت وهي لا يؤبه لها، وكم من نفوس تردّت وهي التي يُظن بأنها القدوة، فالميزان هو الشرع والتقوى والعطاء، لا موازين البشر القاصرة.
ونريد بصائر في تعاملنا مع غيرنا من المسلمين، حيث الأخوة والتعاون والمحبة والولاء وحسن الظن والبعد عن الأنانية والتجريح بأشكاله، فالله وصف المؤمنين بأنهم إخوة، ولا يجوز أن يكونوا غير ذلك وإلا فالإيمان فيه خلل، وحفل القرآن بذكر الحقوق جميعها، الدينية والدنيوية، وعزز مفهوم الإيجابية في العلاقات، ابتداء بالأسرة وانتهاء بالأمة كلها، فكل كلمة وكل حركة محسوبة أنت مسؤول عنها، ولا شك سيكون أحدنا بها إيجابيا معطاء صالحا مصلحا.
ونريد بصائر في تعاملنا مع غير المسلمين، برا وإحسانا وحسن تعامل ما لم يكونوا حربيين، فإن كانوا حربيين فلا ولاء ولا مجاملة، ولا بد حينها من إعادة الحقوق ولجم الباطل وإيقافه، أما المسالمون فحقوقهم محفوظة، ودماؤهم مصونة، وكذلك أعراضهم وأموالهم، تماما كما هي حرمة دم المسلم وعرضه وماله.
نريد بصائر في الفهم والتدبر والوعي، ولا بد لها من سعة الأفق ورحابة الصدر وبعد النظر، فدين هذه مبادئه شاءه الله للناس كافة، لا بد لمن آمن به وعمل من أجله من بصائر يهتدي بها، فكان هذا القرآن العظيم.

التعليق