جهنم على الأرض.. مخيمات اللاجئين في ليبيا ليست الحل

تم نشره في الجمعة 25 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً
  • لاجئون من أفريقيا بين أمواج البحر الأبيض المتوسط في الطريق إلى أوروبا - (أرشيفية)

هيئة تحرير - (ديرشبيغل) 16/8/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

الكثيرون يحبون أن يروا المهاجرين وقد وضعوا في مخيمات استقبال في ليبيا. لكن تقريراً أعده دبلوماسيون من الاتحاد الأوروبي زاروا البلد، يُظهر أن هذه الفكرة لا تعمل.
التقرير السري الذي أرسله دبلوماسيو الاتحاد الأوروبي إلى بروكسل بعد زيارتهم لمخيم للاجئين في ليبيا لم يتصنع الكلمات. وكتب الدبلوماسيون: "الظروف تتطابق مع التوقعات". وأضافوا: "وضع بائس، على مستوى الشعور والنظافة والحيز: غير مناسب لإيواء أكثر من 1000 مهاجر في معتقل". ومضى التقرير الذي حمل عنوان "الاتحاد الأوروبي مقيد" ليشير إلى أن الظروف المعيشية "بائسة" وأن "العيادة الطبية الصغيرة في وضع مزر".
ووثق دبلوماسيو الاتحاد الأوروبي مقابلات أجروها مع لاجئين في مركز احتجاز "طريق السكة" في طرابلس. وقد أمضى العديد منهم شهوراً خلف القضبان وما يزال بعضهم قيد الاحتجاز منذ أكثر من عام. وتحدث المهاجرون عن الاستغلال الذي تعرضوا له أثناء رحلتهم إلى شمال إفريقيا، حيث فقد العديد منهم أمواله وهاتفه وجواز سفره. وبلغة بيروقراطية رصينة، يصف التقرير الحياة في المخيمات الليبية بأنها جحيم على الأرض.
تتطابق الصورة التي نقلها المبعوثون الأوروبيون مع التجربة التي خاضها العديد من الذين يقدمون المساعدات للاجئين. وقد ذهب دبلوماسيون ألمان إلى حد تشبيه الظروف في المرافق الليبية بمعسكرات الاعتقال النازية.
لكن أياً من هذا لم يمنع بوريس بستوريوس، وزير الداخلية في سكسونيا السفلى، من إحياء اقتراح قديم. وكان بستوريوس، العضو في الحزب الاشتراكي الديمقراطي من يسار الوسط، قد طالب في مقالة بعث بها مؤخراً إلى الصحيفة الألمانية اليومية "سديتشي زايتونغ" بأن يتم إيواء اللاجئين في ليبيا، على أن يتولى الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة مسؤولية إدارة هذه المخيمات. وقال إن ذلك هو الطريق الوحيدة لمنع المهاجرين من القيام بالرحلة الخطيرة عبر البحر الأبيض المتوسط إلى جنوب أوروبا.
وهو اقتراح مثير للجدل، وليس فقط بسبب الموضوع الذي يخاطبه، حيث يتعلق مقال بستوريوس الذي يجيء في غير وقته بحملة الحزب الاشتراكي الديمقراطي للانتخابات الألمانية التي لم يتبق على إقامتها سوى بضعة أسابيع. وقد أمل مرشح الحزب لمنصب المستشار، مارتن شولتز، في الاستفادة من موضوع اللجوء للتشكيك في مدى كفاءة المستشارة أنجيلا ميركل في معالجة المشكلة. بل إن شولتز سافر إلى إيطاليا لإيصال رسالة مهمة، وكأنه يريد أن يقول: حتى بينما تتنزه ميركل في شمالي إيطاليا، أنا منشغل في معالجة مشاكل أوروبا. لكن الرسالة على وشك أن تضيع بفضل بستوريوس. الآن ليست ميركل هي هدف الانتقاد وإنما الحزب الاشتراكي الديمقراطي نفسه.
إضفاء الاستقرار على ليبيا
يعد بستوريوس الخبير الأمني المحلي لشولتز. لكن مطالبته بإقامة المخيمات في ليبيا تجعل الأمر يبدو كما لو أنه يأخذ صفحة من برنامج المحافظين الذين تنتمي إليهم ميركل. وهو ما يقف في تناقض مباشر مع مرشح الحزب الاشتراكي الديمقراطي. وقال شولتز لمجلة "ديرشبيغل" رداً على تصريح بستاريوس: "في الوقت الحالي، أعتقد أن مخيمات اللجوء في ليبيا غير ذات جدوى. المتطلب السابق لإقامة هذه المخيمات هو وجود هياكل دولة مقبولة، وهذه البنى ليست موجودة في ليبيا حالياً. أعتقد أن من الأكثر عقلانية الشروع في الحديث عن إضفاء الاستقرار على ليبيا كدولة أولاً".
بالكاد يكون اقتراح إيقاف المهاجرين في ليبيا وتقرير ما إذا كانوا سيمنحون حق اللجوء في أوروبا جديداً. فقبل 10 أعوام، اقترح وزير الداخلية في حينه، أوتو شيلي، من الحزب الاشتراكي الديمقراطي أيضاً، فكرة إقامة مراكز للجوء في أفريقيا. كما أن وزير الداخلية الحالي، ثوماس دي ميزيري، العضو في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي تنتمي إليه ميركل، كان قد تقدم باقتراح مشابه. وفي الوقت الراهن، يعد وزير الخارجية النمساوي، سباستيان كورز، الشاب اليافع الذي يتطلع إلى انتخابه مستشاراً للنمسا في الانتخابات النمساوية العامة المقرر عقدها في شهر تشرين (أكتوبر) المقبل، مؤيداً بارزاً للفكرة.
على السطح، يبدو أن لهذه الفكرة ميزاتها. فقد عبر البحر الأبيض المتوسط إلى إيطاليا أكثر من 94.000 مهاجر ولاجئ هذا العام -وفقد 2.221 شخصاً على الأقل أرواحهم في المحاولة. ويزيد ذلك قليلاً فقط عن عدد اللاجئين الذين وصلوا خلال الفترة نفسها من العام الماضي، لكن لدى إيطاليا ما فيه الكفاية مسبقاً.
يتكون تسعون في المائة من أولئك الذين يصلون إلى إيطاليا من المهاجرين الاقتصاديين، ولديهم فرصة قليلة في أن يتم منحهم اللجوء أو أن يتم الاعتراف بهم كلاجئين. وتشكل هذه المكانة شرطاً مسبقاً لتوزيعهم على بلدان الاتحاد الأوروبي الأخرى. ومع ذلك، يظل المهاجرون الاقتصاديون مسؤولية إيطاليا وحدها، حيث تكون روما مسؤولة عن تزويدهم بالغذاء والمأوى والتعامل مع طلبات اللجوء الخاصة بهم.
عمل اللاجئين الكبير
إذا كان بالإمكان تقرير مصير اللاجئين قبل مغادرتهم ليبيا، فإن من شأن ذلك تزويد إيطاليا بغوث كبير. كما أن الاتحاد الأوروبي سيُعفى من مهمة إعادة اللاجئين إلى بلدانهم، وهي مهمة غير مشكورة وعصية على الحل في أغلب الأحيان.
ومع ذلك، فإن من غير المرجح أن يحدث ذلك في أي وقت قريب. كما أن التوصل إلى اتفاقية لجوء على غرار الصفقة التي توصل إليها الاتحاد الأوروبي مع تركيا لا يبدو وشيكاً، على الرغم من المطالبات المتكررة من المحافظين الألمان بالتوصل إلى مثل هذه الاتفاقية. وبعد كل شيء، وعلى الرغم من اسمها، فإن حكومة الوفاق الوطني الليبي برئاسة رئيس الوزراء فايز السراج لا تتوافر على أي سلطة فعلية في أجزاء كبيرة من البلد، حتى مع الدعم الذي تتلقاه من إيطاليا والاتحاد الأوروبي.
وليست هذه هي الصعوبة الوحيدة. إن وضع المهاجرين في ليبيا خطير للغاية. وقد حذر ممثل منظمة أطباء بلا حدود في شهادة له أمام البرلمان الأوروبي في نيسان (أبريل) الماضي من أن "المهاجرين يشكلون موضوعاً لعمل تجاري كبير في ليبيا. وسيؤدي ضخ المزيد من الأموال في هذا النظام إلى جعل الأمور أكثر سوءاً".
يؤيد التقرير السري للاتحاد الوروبي على هذا التقييم. وقال ليبيون قابلهم دبلوماسيو الاتحاد الأوروبي إن بعض المهاجرين يتم احتجازهم في معسكرات غير رسمية حتى يدفعوا فدية. ولاحظ التقرير الذي صدر في منتصف نيسان (أبريل) الماضي: "كان المهاجرون في الحقيقة يباعون بين المراكز".
من جهتها، تقول ليبيا إن المهمة البحرية للاتحاد الأوروبي "صوفيا" تتحمل المسؤولية بشكل كبير عن تصاعد أعداد المهاجرين. وتتلخص المهمة الرئيسة لسفن الاتحاد الوروبي في محاربة مهربي المهاجرين، لكنها استطاعت إنقاذ الكثيرين ممن كانوا يواجهون خطر الموت غرقاً في أعالي البحار. وبعملها ذلك، يتم عن غير قصد تقديم مساعدة لنموذج العمل التجاري لمهربي المهاجرين، نظرا لأن معظم المهاجرين يتم إنقاذهم بعد أربع ساعات وحسب من إبحار مراكبهم في البحر.
ثرثرة غير مدروسة
تحب إيطاليا أن ترى الليبيين وهم يعترضون اللاجئين في المياه الساحلية وإعادتهم إلى اليابسة. وقد أقر البرلمان الإيطالي في أوائل آب (أغسطس) الحالي إرسال سفن حربية إلى ميناء طرابلس. وقال وزير الدفاع الإيطالي روبيرتو بينوتي إن الهدف من إرسال السفن هو دعم الجهود الليبية لمحاربة مهربي المهاجرين في المياه الساحلية للبلد "بتعاون وثيق" مع المسؤولين الليبيين.
تشعر إيطاليا وكأن الاتحاد الأوروبي تركها وحدها -ويشعر البلد بالغضب من الفرنسيين خاصة، في ضوء مطالبة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخراً بتأسيس مراكز للجوء على الأراضي الليبية. وحتى لو أن قصر الإليزيه سحب الاقتراح بعد ذلك، فإن وزير الخارجية الإيطالي أنجيلينو ألفانو يستمر في مهاحمة "الثرثرة غير المدروسة" من جانب باريس.
وبالمثل تتهدد، المصالح الاقتصادية مخاطر بسبب الصراع، حيث تخوض مؤسسة إيني الإيطالية النفطية منافسة مع الشركة الفرنسية "ملتي" توتال على احتياطات الغاز والنفط في ليبيا. ويسعى الإيطاليون، مثلما تفعل بروكسل، إلى التعويل على حكومة السراج للوفاق الوطني. وفي الأثناء، يحافظ الفرنسيون على وصولهم إلى الجنرال خليفة حفتر الذي يسيطر على أهم ميناء في ليبيا لتصدير النفط الخام.
لأن الوضع في ليبيا معقد جداً، ثمة فكرة قيد البحث راهناً كانت قد عرضها على المفوضية الأوروبية في منتصف أيار (مايو) الماضي وزير الداخلية الألماني دي ميزيريه ونظيره الإيطالي. وبدلاً من اعتقال اللاجئين في ليبيا التي تعصف بها الحرب الأهلية، يعتقد الوزيران بأنه سوف يكون من الأفضل منعهم من الوصول إلى البلد في المقام الأول. ويريد دي ميزيري أن يرى مهمة الاتحاد الأوروبي وهي تكرس لحماية الحدود الجنوبية للبلد.
من جهته، يخطط الاتحاد الأوروبي لإرسال بعثة لكشف الحقائق، والتي علمت "ديرشبيغل" أن من الممكن إرسالها مع نهاية الصيف. وسوف يُعهد إلى البعثة تقرير كيفية حماية الحدود المدنية لتكون قادرة أفضل ما يكون على تأمين الحدود الجنوبية للبلد. وبالإضافة إلى ذلك خصصت بروكسل مبلغ 46 مليون يورو لتأمين الحدود الجنوبية لليبيا.
"نريد العودة إلى للوطن"
يقول ديفيد مكأليستر، عضو الحزب المسيحي الديمقراطي ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي: "من أجل وضع حد للوفيات في البحر الأبيض المتوسط، يجب علينا منع المهاجرين من الوصول إلى ليبيا في المقام الأول".
ويقول أيضاً إن الاتحاد الأوروبي سيدعم مبدئياً حكومة السراج عبر تزويدها بمساعدات تقنية، مثل الطائرات العمودية والهواتف المتصلة بالأقمار الاصطناعية. "وبمجرد سماح الظروف القانونية والسياسية والحالة الأمنية في ليبيا بذلك، سوف يلعب الاتحاد الأوروبي دوراً أكثر نشاطاً في ليبيا ويشرع في وضع خطط لتنفيذ مهمة شرطية لمراقبة حدود ليبيا الجنوبية".
في الوقت نفسه، قدم مكأليستر فكرة إنشاء مواقع لتسجيل المهاجرين. فبلدان الساحل، النيجر وتشاد، هي أكثر استقراراً من جارتها الشمالية ليبيا. ويقول مكأليستر أن إعادة الذين ليس لديهم فرصة بالحصول على لجوء في أوروبا يمكن ترتيبها بشكل أكثر سهولة في تلك البلدان. ويطرح ثوماس أوبيرمان، الناطق بلسان الحزب الاشتراكي الديمقراطي في البرلمان الألماني، فكرة مشابهة. فقد طالب بإقامة "شبكة من الأماكن آمنة على طول طريق اللاجئين في إفريقيا"، حيث يمكن الاستماع إلى اللاجئين وإسداء المشورة لهم. ويقول أيضاً: "يجب أن نتدخل في المنطقة بين مهربي اللاجئين وبين اللاجئين".
لكن أياً من ذلك لن يساعد أولئك العالقين المحتجزين في معسكرات الاعتقال الليبية. والآن، يعرب العديد عن ندمهم على مغادرة أوطانهم من أجل القيام بالرحلة إلى الشمال، وفقاً لما كتبه دبلوماسيو الاتحاد الأوروبي في تقريرهم. وقالت أستاذة كيمياء من نيجيريا عندما سئلت عن سبب تركها أطفالها الثلاثة للقيام بالرحلة الخطيرة: "أعتقد بأننا كنا مرتبكين". وشخص التقرير ردود فعل العديد من الآخرين بأنها: "نريد العودة إلى الوطن".
في الحقيقة تبدو الإقامة المطولة في ليبيا كافية لإطفاء بريق الحلم الذي راود الكثيرين ذات مرة بالوصول إلى أوروبا.

*شارك في إعداد هذه المادة، فلوريان غاتمان؛ وفولتر ماير؛ وفيت ميديك؛ وبيتر مولر؛ وفولف فايدمان شميت.
*نشرت هذا التقرير تحت عنوان: Hell on Earth: Libyan Camps of Refugees are not the Answer

التعليق