محمد أبو رمان

فضائحنا "السياحية"!

تم نشره في الخميس 24 آب / أغسطس 2017. 11:10 مـساءً

ما كتبته السائحة- عارضة الأزياء الإيطالية عن زيارتها للأردن، وما عانته خلال 48 ساعة فقط،  من غش واستغلال، هو فضيحة لكنّها معروفة لدينا، ونسكت عليها، ونتجاهلها، وكأنّنا نتفاجأ بهذه السلوكيات المخجلة، بينما نحن نعرف تماماً أنّها عامة، وليست استثنائية، وقبل ذلك كانت فضيحة "البطيخة" في مطعم في البترا!
هذه الفضائح هي التي تحدّث أصحابها، بينما لو قُدّر للآخرين أن يتحدثوا لكنّا أمام عشرات الآلاف من الفضائح بقدر أغلبية السياح الأجانب، الذين يأتون إلى البلاد، فهل أتجنّى وأجور في هذا الكلام على قطاع السياحة؟!
كنتُ كتبتُ سابقاً، كما كتب زملاء آخرون، عن أوضاع البترا وغيرها من مدن، عن البنية التحتية غير الصالحة، وعن المرافق وغيرها من خدمات بدائية غير صالحة للاستعمال البشري، وعن الإهمال، فجاء بعد ذلك ردّ من مفوضية إقليم البترا مسكون بحالة الإنكار والتجاهل، والتبرير السطحي، بينما من يزور البترا يشاهد المرافق مهملة غير صالحة، وفي أوقات عديدة مغلقة، والنظافة في الحدّ الأدنى، وذكرتُ مثالاً حينها على السياح الأتراك إلى بيت المقدس، وما أخبرني به حينها سفيرنا في تركيا من معاناته وجهوده التي ذهبت هدراً من أجل استقطابهم للأردن، ثم أصبحوا ينصحون بعضهم بعدم الذهاب إلى الأردن لافتقاره للخدمات والمرافق الرئيسة للسياح!
على أيّ حال، كل ما سبق كُتب عن مشكلة "البنية التحتية" في قطاع السياحة الأردني، بخاصة المدن الأثرية والتاريخية المهمة، لكن ما لم يذكر ويحتاج إلى نقاش معمّق، ويقع على الدرجة نفسها من الأهمية، بل أكثر، هو موضوع "البنية الفوقية" في مجال السياحة، أي الثقافة والقيم والعقول البشرية والعمّال والموظفون المرتبطون بهذا القطاع، وموضوع تأهيلهم وتدريبهم مهنياً وثقافياً، وكذلك القطاع الخاص المرتبط بهذه الصناعة المظلومة أردنياً!
لو تجاوزنا السيّاح الأجانب والعرب، وذكرتُ لكم قصصاً وقعت معنا نحن "السيّاح الأردنيين"! فإنّها ترقى أيضاً إلى درجة الفضائح، خلال تلك الزيارة إلى البترا، فكّرنا بشراء بساط جميل معروض في أحد المحلّات التجارية على أبواب المدينة القديمة، فسألته زوجتي عن السعر، فأجاب فتى صغير يجلس في المحل بأنّه غالٍ وليس رخيصا، وأنّه ليس لك بل للسياح الأجانب، ولمّا ألحّت عليه: أجابها بأنّه 500 دينار، على ما أذكر، فقالت له: لماذا وهو صناعة مستوردة وغير أصلية، فقال: لكنّنا نضحك على السياح ونخبرهم بأنّه أصلي، ولما سألته عن السبب: جاءنا الجواب الصادم: لأنّهم كفّار!
هذا نموذج بسيط من الكارثة السياحية في بلادنا! صحيح أنّنا نتحدث عن الثقافة، وهي مسألة لا تدخل في صلب عمل الحكومة، لكن الثقافة تحتاج إلى تغيير وتطوير وتأهيل، والعقليات بحاجة إلى تدريب، وهذه مسؤولية الدولة، بأن تضع مساراً وخططا استراتيجية لتطوير الثقافة والمجتمع المحلي المحيط بتلك المدن، وغرس القيم والثقافة والمفاهيم الصحيحة لديه، ومراقبة هذا الأداء، ومن غير ذلك فلن تتطور لا البنية التحتية ولا الفوقية!
من المفترض أن السياحة هي الثروة العظيمة للأردن، والهبة التي تتجاوز في قيمتها العملية أي ثروات أخرى، لأنّها كفيلة بتحريك عجلة الاقتصاد في المجتمع، لكنّنا فشلنا فيها فشلاً ذريعاً، لا تنظروا إلى ما نفقده من سياح أجانب، بل الى الأردنيين الذين يفضّلون دفع مبالغ كبيرة للسياحة في الخارج، ما يصل إلى مئات الملايين سنوياً، ولو وفرنا البيئة الداخلية المناسبة والبنى الفوقية والتحتية لكان الأردنيون وحدهم كفيلين بإحداث طفرة بنيوية في هذا القطاع الحيوي!
لو كنتُ صاحب قرار لقلبت حالة الوزارات؛ فجعلت السياحة والتعليم والعمل هي الوزارات السيادية، لانّها رأس مالنا الحقيقي المهدور!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تجربتي في جرش (الدكتور عمر)

    الجمعة 25 آب / أغسطس 2017.
    قررنا زيارة جرش كعائلة في إجازة الصيف و هي ثان اهم مدينة سياحية في الأردن . يجب استغلال هذه المدينة بشكل افضل للسياحة فلا توجد بيئة سياحية ة القاذورات تملئ المنطقة و لا توجد علامات ارشادية داخل الاثار ة الأطفال يشحدون و يبيعون العلكة و الماء وحتى التذاكر تباع بطريقة غير منتظمه و لا توجد كراسي و لا مظلات للراحة و لا وسائل نقل داخل الاثار و طبعا لا توجد كراس لذوي الاحتياجات الخاصة........للأسف أقول كأنه مقصود عدم الاهتمام بالاماكن السياحية و الأموال التي تصرف تذهب لامور أخرى............السياحة يجب أن تشكل دخلا اسياسيا للاردن.............هل الفساد هو السبب ؟ ضعف الإرادة ؟أم ماذا ؟؟؟؟؟؟؟
  • »من علم هذا (huda)

    الجمعة 25 آب / أغسطس 2017.
    من علم هذا الطفل هذه اللغة بان السياح كفار اليس البيت والمدرسة والشارع وامام المسجد والكتب والمناهج المدرسية نعم الوضع جد خطير وعلى الدولة ان تحزم امرها وتتصدى بقوة القانون لمن ينشر ويشجع هذه الافكار المسمومة بحيث يكون الجميع تحت سقف القانون الوزير والنائب والعين وكل مسؤول في الدولة او متنفذ كائنا من كان يجب ان يكون الجميع سواسية امام القانون
  • »مشكلتنا (خليل زقلام)

    الجمعة 25 آب / أغسطس 2017.
    انت صاحب كلمه حره يا سيدي فعلا السياحه والتعليم والعمل والصناعه والزراعه هي راس مال الاردن والثروه الحقيقيه له وهي اذا ما عملت واستغلت كما يجب تخرجنا من الدرك السحيق الذي نقبع فيه وتصديق لكلامك يصدر عن هؤلاء الوزراء في الكيان تصريحات تمس صميم الكيان دليل على ان هذه الوزارات سياديه والدخل القومي لجارتنا السيئه الذكر من هذه الوزارات يتجاوز ثلثي هذا الدخل والمقدر 200مليار دولارفقط تصدير الزهورالى اوروبا يتجاوز 20مليار دولار سنويا الاردن فعلا بحاجه وينقصه الحب اتركوا الحب والنرجيسيه عن انفسكم فهذه هي مشكلتنا
  • »ملاحظة (موسى موسى)

    الجمعة 25 آب / أغسطس 2017.
    المسألة طبعا أكثرُ اتساعا من السياح، وإن كانت مع السياح أشد شراسة. أيها الرجل تعال إلى مدينتنا إربد وادخل مطعما عاديا، تجد رغيفا متوسط الحجم معروضا من وراء زجاج وعليه بيضة وقطرات من البندورة، واسأل عن ثمنه، يقل لك العامل بضيق صدر كأنك أسأت إليه: ليرتين.. بتفخيم اللام. و"الليرتين" هما ثمن 12 كيلو من الخبز. هذا الطمع والختل لا يرحم أحدا.. لا أحد يصبر على رزقه. يريدون قناطير من الخمسينات، وفللا مقرمدة، وسيارات فارهة في أسابيع معدودة أو شهورا.. ومن أين يأتون بذلك إلا من استراتيجية "الليرتين"؟؟
  • »لا، بالله زعلوها ؟؟ (Aboud)

    الجمعة 25 آب / أغسطس 2017.
    زعلانه على ٤٠ دينار ما التاشيرة لأروبا ب ١٥٠ يورو !!
    عطوفتها كيف تعاملت مع التكاسي بالاشارة مثلا
    أكيد كان معها حدا !!!
    و باي فندق نازله؟؟ لو عليها القيمه بتنزل ب ٥ نجوم و بتطلع مع جروبات و بتشوف الاردن
    اي واحد بسافر إيطاليا و ما بعرف شي بشغلو عرضو
    و هاد الحكي بكل مكان
    و الاردن فيها المنيح و فيها العاطل.
    بس نفسي اعرف كيف سواق التكسي شرحلها عن الاجئين و مين ترجملها
  • »الجباية الرسمية والجباية الشعبية (بسمة الهندي)

    الخميس 24 آب / أغسطس 2017.
    أتفق تماما معك أستاذ محمد. إشارتك إلى البنية الفوفية هو أهم ما في مقالك، وأظن أننا نلمس ضعف البنية الفوفية في معظم المصاعب الأساسية التي تعاني منها البلاد؛ كسبب وكنتيجة.
    المزاج الرسمي يعكس نفسه على المزاج العام، فالدولة ترى في الناس صراف آلي، والناس ترى في بعضها البعض صراف الآلي، أكان هؤلاء الناس محليين أو سياح. الحكومة بتمد ايدها بجيبة المواطن، والمواطن بيمد ايديه في جيبة المواطن الآخر، والمواطن كمان بيمد ايده في جيب السائح. وما حدا أحسن من حدا - الحكومة بدها تعيش والشعب بدوا يعيش.