عيسى الشعيبي

الكتابة كمصلٍ ضد الكآبة

تم نشره في الخميس 24 آب / أغسطس 2017. 11:03 مـساءً

هذا المقال يمكن وصفه بأنه نخبوي المغزى والمعنى، كونه لا يعالج شأناً عاماً، ولا يخص أكثرية من يخاطبهم كتّاب الاعمدة والمقالات في الصحافة اليومية، ممن تتزاحم على اجنداتهم مسائل وقضايا وموضوعات لا حصر لها، يحارون احياناً في اي منها لها الاولية، ليس بالنسبة لهم فقط، وانما بالنسبة لعشرات الآلاف من المتلقين، الذين يستأنسون في العادة بأفكار كتّابهم المفضلين، وينتظرون منهم إبداء وجهة نظر ما، إزاء اكثر الأحداث استقطاباً لاهتمامات الرأي العام، لا سيما إذا كانت هناك تطورات ساخنة، ووقائع إشكالية محل خلافات بين الناس.
ولكن ما حيلة الكاتب إذا فقد الشهية للانخراط في النقاش العام ذات يوم كئيب، وامتلأت نفسه المرهفة بشيء مثل برادة الحديد الصدئة لسبب غير معلوم، ومال الى البيات ليوم او اكثر، فيما الصحافة لا تعرف التثاؤب، ولا تنتظر ماكنتها اعتدال مزاج كاتب من هنا، او تكدر نفس مراسل صحافي من هناك؟. وماذا عن الالتزام المهني والادبي حيال جمهور القراء، ناهيك عن العقد المبرم مع الناشر، حيث المسؤولية تقتضي المواظبة والانتظام، وتفترض الوفاء بالواجبات في مواقيتها المحددة سلفاً، ولا تستثني من التعهد المقطوع الا في حالات المرض او السفر او الاجازة او غير ذلك من الظروف الطارئة، وهي حالات يمكن بها تبرير الغياب.
وعليه، فقد تكون هذه الإطلالة موضع اهتمام من جانب المشتغلين بحرفة الكلام، دون غيرهم من بقية القراء، اي ممن يتفهمون عذاب الضمير واختلاجات الوجدان، يعرفون ما يعتور النفس المثقلة بالهموم والآلام والآمال من اضطراب والتباسات، وما يقلّبها على الجمر ذات اليمين وذات الشمال، خصوصاً أن هؤلاء الكتاب والكاتبات الذين لا هم لهم الا ما يهم الناس، يدركون ان الانقطاع عن النشر، بداعي الاكتئاب والنزعة الى الاحتجاب المؤقت، او الرغبة في التواري عن الانظار، يعادل الموت المعنوي، او الانقطاع عن الحياة بما هو المعنى الحقيقي للحياة لدى من يفهمون ان الخلق والإبداع والخيال شرط للوجود والاستمرار.
وكما هو حال الصانع والمزارع والفنان والفيلسوف، وغيرهم من الطبقات والفئات العاملة في مختلف الانشطة والتخصصات، فإن شقاء وعي المثقف، وإلهام الكاتب على وجه الخصوص، هو مبرر وجوده في حد ذاته، ورافعة حضوره الاجتماعي، ومصدر اعتزازه بنفسه، الامر الذي يجعل من هوسه بالكلمة اشبه ما يكون بأخذ المنشطات، وتناول الاطعمة المكملة، لا سيما أن لديه ما ليس لدى غبره من ملكة تعينه على التعبير عن ذاته، وطرح أفكاره في الفضاء العام، وفوق ذلك لديه منبر متاح، يطل منه بانتظام على جمهرة من القراء، ممن صارت بينه وبينهم ألفة ومودة وصلة فكرية من نوع ما.
وبهذا المعنى تصبح الكتابة – حتى في حالة الضجر والاختناق لأمر يصعب شرحه – كمصلٍ مضاد للكآبة والقرف والاحباط، وحافز للتقدم الى الامام حين تهبط المعنويات دون سابق انذار، او تعتري النفس على حين غرة موجة مفاجئة من الرغبة الغامضة في اخذ استراحة مؤقتة، او قسط من النعاس، وبالتالي فإن الاحتجاب او الانقطاع غير المفهوم لدى العامة، يغدو والحالة هذه سبباً اضافياً للاكتئاب المضاعف، إن لم نقل ان الغياب هكذا يمسي شكلاً من اشكال العزوف عن تحمل المسؤولية المهنية، او ضرباً من ضروب الهروب الى الخلف وادارة الظهر للفرار، وهو امر لا يليق بالمحاربين الشجعان المنذورين للقتال حتى النفَس الأخير.
وحقاً، ينطبق على المشتغلين بمهنة المتاعب (تسمى حرفة الفقر احياناً) لمن يعشقونها حصراً، ويتماهى مع الحاملين للواء الكلمة التي كانت هي أصل البدايات، قول الشاعر؛ لا يعرف الشوق إلا من يكابده/ ولا الصبابة الا من يعانيها. ولما كانت الكتابة فيها شيء من الألم الانساني النبيل، فإنه يناسبها القول ايضاً؛ لا تشكُ للناس جرحاً أنت صاحبه/ لا يؤلم الجرح إلا من به الألم. وهذا هو بالتمام والكمال ما تبدو عليه هذه المداخلة التي اجتهد مُنشئها في بسط لواعج فوق شخصية، يعتقد أنها لا تخصه وحده، حتى وان كانت تخاطب فئة محدودة من الناس، الذين لا يعرفون مدى معاناة الكتاب، ممن ينفقون جل نهارهم، لاختيار موضوع لائق بهم وبجمهور قرائهم.

التعليق