ما الذي فهمه الغرب خطأ في سورية؟

تم نشره في السبت 26 آب / أغسطس 2017. 11:00 مـساءً
  • صورة للرئيس السوري بشار الأسد في مخيم اليرموك الذي طالته الحرب - (أرشيفية)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

نيكولاس فان دام* – (فورين بوليسي) 22/8/2017
إذا كان الساسة الغربيون يتساءلون عن السبب في أنهم حققوا القليل جداً من أهدافهم في الحرب الأهلية السورية، فإنهم يجب أن يبدأوا بمراجعة قراراتهم الخاصة. وقد هيمنت على النهج الغربي تجاه الانتفاضة السورية من البداية الأولى جرعة زائدة من التفكير المتمني. ويبدو أن الساسة أقاموا مواقفهم يوماً بيوم على ردود الفعل السياسية المحلية اليومية، بدلاً من التركيز على رؤية بعيدة الأمد وبراغماتية موجهة نحو تحقيق النتائج، والتي كانت مطلوبة للعمل في اتجاه المساعدة الحقيقية على حل الصراع.
ركز معظم الساسة الغربيين في وقت مبكر على فكرة أن الصراع لا يمكن حله إلا إذا تم إسقاط الرئيس بشار الأسد عن سُدة السلطة. وظن الكثيرون حقاً أن النظام سيسقط في غضون فترة زمنية قصيرة نسبياً. وتوقع العديد من السفراء في دمشق أن يكون الأسد قد انتهى بحلول صيف العام 2012. وتم التقليل من شأن قوة النظام تماماً، في ما عاد في جزء منه إلى الجهل وعدم معرفة النظام السوري، فضلاً عن الاتكاء على تفاؤل كان في غير محله.
أما الأكاديميون والصحفيون وصناع القرار الذين توقعوا أن هناك فرصة واقعية لبقاء نظام الأسد على قيد الحياة لفترة أطول، أو استنطقوا الشرعية الأخلاقية للمعارضة التي زُعم أنها "سلمية"، فقد تعرضوا لخطر اتهامهم بأنهم مؤيدون للأسد -أو حتى اتهامهم بأنهم مناهضون للديمقراطية. وفي كثير من الأحيان سادت الحجج الأيديولوجية على الحجج الواقعية. وحتى الأمم المتحدة ومبعوثوها الخاصون لسورية، كانوا يُتهمون من وقت لآخر بأنهم منحازون إلى الأسد بعد اتخاذ أدنى خطوة يمكن تفسيرها على أنها لا تعارض مصالحه.
كانت لدى الساسة الغربيين عموماً أفكارٌ واضحة حول ما لا يريدونه، وإنما لم تكن لديهم أي أفكار واقعية أو واضحة حول ما يريدونه في مكان الأسد. وقد أرادوا نوعاً من الديمقراطية في سورية، ولكن لم يكن من المتوقع أن تؤدي الإطاحة العنيفة بالأسد إلى جلب مثل هذه الديمقراطية السلمية المنشودة.
لم يواكب السياسيون دائماً الحقائق على الأرض، واستمروا في استخدام الشعارات "الصحيحة سياسياً" على الرغم من أن حالة البلد لم تعد تبررها تماماً. وتم الاستمرار في وصف المعارضة السورية بأنها سلمية وديمقراطية، حتى بعد وقت طويل من قيام قوى أكثر تطرفاً، بما في ذلك الإسلاميون والجهاديون، باختطاف برنامجها، وبعد أن أصبحت الحرب السورية جارية بالفعل. وفي وقت لاحق، أصبح مفهوم المعارضة السلمية أسطورة أكثر من كونه الواقع الذي كان عليه في البداية. لكن خطاب السياسيين الغربيين لم يتغير.
كما أن الدعم العسكري الغربي للمعارضة السورية لم يتطابق أبداً مع خطابها، مما أدى إلى تضخيم توقعات المعارضة بشكل خطير. ولم تُعطَ المعارضة أبداً دعماً عسكرياً كافياً لتركيع النظام على ركبتيه، حتى عندما كان ذلك ضرورياً من أجل تحقيق الحل السياسي الذي ادعى الغرب أنه يريد تحقيقه. ومع هذا المزيج، كان محكوماً على الثورة السورية بالفشل -بالتأكيد طالما تلقى النظام دعماً عسكرياً من حلفائه، روسيا وإيران وحزب الله.
بمرور الوقت، تبين أن الهدف المعلن للدول الغربية المتمثل في تسليح المعارضة كان محدوداً إلى حد ما عندما يتعلق الأمر بالواقع. وعندما تم رفع الحظر الذي فرضه الاتحاد الأوروبي على توريد الأسلحة إلى سورية بإصرار من المملكة المتحدة وفرنسا في العام 2013، لم يكن هناك -على عكس التوقعات- أي تغيير يُعتد به عندما يتعلق الأمر بتسليم الأسلحة للمعارضة.
أوضحت الأحداث أنها لم تكن هناك إرادة سياسية لتسليح أي جزء من المعارضة إلى حد يمنحها فرصة حقيقية لكسب المعارك ضد النظام، حتى عندما يتعلق الأمر بالجانب العلماني في أغلبيته منها. وثارت تساؤلات حول أي من جماعات المعارضة الكثيرة هي التي ينبغي أن تكون مسلحة، ولأي هدف، بينما أرادت الدول الغربية بوضوح تجنب احتمال تأسيس دكتاتورية إسلامية متطرفة.
ولكن، هل كان هناك أي ضمان بأن الأسلحة المقدمة للآخرين لن تنتهي في أيدي الإسلاميين والجهاديين؟ وهل كانت الأسلحة تهدف حقاً إلى المساعدة في إسقاط نظام الأسد؟ أم أن تقديم الأسلحة كان يهدف أساساً إلى مساعدة المعارضة في الدفاع عن نفسها؟ أم أنه كان أساساً من أجل محاربة تنظيمي الدولة الإسلامية، وجبهة النصرة، وغيرهما من المنظمات الجهادية؟ هل كان ذلك بادرة إنسانية؟ لم تكن هناك استراتيجية واضحة تمكن رؤيتها للولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، سوى أن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية أصبحت الأولوية.
وفي الأثناء، أصبحت الجماعات الإسلامية الأكثر تطرفاً أقوى من الجيش السوري الحر المعتدل نسبياً. وركزت الدول العربية المنخرطة في الصراع دعمها أيضاً على المنظمات الإسلامية المسلحة، مثل "أحرار الشام" و"جيش الإسلام".
كان ما يريد الغرب أن يراه بوضوح في سورية، هو نظام معتدل وديمقراطي وعلماني وتعددي يخلف نظام الأسد، ولكن مثل هذه الإمكانية لم تكن احتمالاً واقعياً، وبالتأكيد ليس في المستقبل المنظور. أما الجماعات المسلحة العلمانية التابعة للجيش السوري الحر، فقد أصبحت أكثر تطرفاً بالتدريج نتيجة للحرب الدموية طويلة الأمد. وأصبح التيار الإسلامي في سورية أقوى خلال الحرب السورية، بينما أصبحت العلمانية في المقابل أقل شعبية.
مع ذلك، تجاهل الساسة الغربيون هذا التطور إلى حد كبير، وواصلوا تقديم الدعم الشفوي لما اعتبروه المعارضة العلمانية في غالبيتها. ولكن، طالما أنهم لم يزودوها بالوسائل اللازمة لكسب اليد العليا في المعركة، لم يكن لدعمهم المعنوي أي قيمة حاسمة في ساحة المعركة. وفي حين أنهم قد يكونون قد طهروا "ضميرهم السياسي" من خلال التعبير عن دعمهم للمعارضة، فقد كانوا يساهمون عن غير قصد في إطالة أمد الحرب ومساعدة الأسد على التحرك نحو النصر، خاصة بعد أن بدأت روسيا التدخل عسكرياً نيابة عن النظام في أيلول (سبتمبر) 2015.
دعا القادة الغربيون في مناسبات مختلفة إلى اتخاذ تدابير ضد النظام السوري، والتي كان ينبغي أن يعرفوا مسبقاً أنهم لن يقوموا بتطبيقها. ولكن عدم فعل شيء أو عدم الرد على الإطلاق لم يكونا، على المستوى السياسي، خياراً مقبولاً للحكومات الديمقراطية. ومع ذلك، يمكن القول من الناحية المنطقية، أنه كان من الحكمة في بعض الحالات أن لا تفعل هذه الحكومات شيئاً بدلاً من أن تفعل الشيء الخطأ الذي قد يجلب عواقب كارثية.
كان يُتوقع من السياسيين أن "يفعلوا شيئاً". وأصبحت العبارات من قبيل "ألا ينبغي أن نتدخل هناك"؟ و"كيف يمكنك أن تجلس فقط وتشاهد كيف يتعرض الناس في سورية للقمع والذبح"؟ شائعة جداً، وإنما لم يتم فعل الكثير في الممارسة العملية للمساعدة بشكل كبير على تغيير وضع السكان السوريين على الأرض.
كان السؤال الرئيسي الذي دار طوال المناقشات حول الأزمة السورية هو: هل يجب تحقيق العدالة؟ وكان الجواب: نعم، بالطبع، ولكن بأي ثمن؟ وكان من السهل القول، على سبيل المثال، أنه ينبغي محاكمة الأسد على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. ولكن هذا لم يساعد على إيجاد حل. وكانت الفكرة القائلة إن الأسد يمكن أن يكون قادراً أبداً على مغادرة سورية حياً لمواجهة مثل هذه القضية في المحكمة غير واقعية إلى حد بعيد؛ حتى أن بعض الناس تخيلوا أن الرئيس الأسد سيبدأ في التصرف والتفكير بشكل مختلف عندما يصبح أكثر وعياً بإمكانية محاكمته في المحكمة الجنائية الدولية. لكن كل ذلك كان في باب التمني على ما يبدو.
كانت الدعوة إلى تحقيق العدالة جيدة في حد ذاتها، وكذلك توثيق جميع جرائم الحرب التي تم ارتكابها. كان ذلك شيئاً لا بد من القيام به بطبيعة الحال، ولكن ليس أمام وفوق بذل الجهود الرامية إلى العمل بشكل استباقي نحو إيجاد حل ومنع المزيد من إراقة الدماء التي ستستمر من دون شك إذا لم يتم تيسير أمر عقد مفاوضات جادة بين مختلف الفصائل المتصارعة في سورية.
كان يجب أن تكون الدعوة إلى تحقيق العدالة جزءاً من جهود أوسع نطاقاً لإحلال السلام، بدلاً من التركيز فقط على من المذنبين في الجرائم المرتكبة ضد الشعب السوري في الماضي القريب. وكان يجب إيجاد حل سياسي قبل أن يمكن تحقيق العدالة. ولم يكن من الممكن حدوث العكس.
في واقع الأمر، خلق الغرب توقعات كاذبة وأعطى المعارضة الأمل في تلقي مزيد من الدعم الغربي الذي لم يقدم إليها في نهاية المطاف.
من خلال وسمها حكم الرئيس الأسد بأنه غير شرعي، ربما كانت الدول الغربية عادلة من الناحية الأخلاقية، لكنها أوقفت بذلك قبل الأوان أي فرصة ربما كانت لديها لتضطلع بدور بناء في إيجاد حل سياسي للأزمة. وكان السؤال: ما الذي ينبغي أن تكون له الأولوية -أن يكون المرء صائباً أخلاقياً أم أن يساعد على إيجاد حل؟
ولكن، يبدو أن العوامل السياسية المحلية اعتُبِرت أكثر أهمية. وقيل إن روبرت فورد، السفير الأميركي لدى سورية في ذلك الحين، عارض الدعوة إلى رحيل الأسد، محتجاً بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على تحقيق ذلك، لكن مشورته أهمِلت. وبحسب كريستوفر فيليبس، فإنه "كان يُنظر إلى التكلفة المحلية لعدم طلب مغادرة الأسد على أنها مرتفعة جداً" في الولايات المتحدة.
بدت زيارة التضامن التي قام بها فورد ونظيره الفرنسي إريك شوفالييه إلى المعارضة في حماة في تموز (يوليو) 2011 متعاطفة من وجهة نظر غربية، ولكنها أدت في واقع الأمر إلى نهاية إمكانية قيام الولايات المتحدة وفرنسا أو أي دول أخرى بلعب دور الوسيط في النزاع. وقد أثارت زياراتهما آمالاً كاذبة فقط في أوساط المعارضة بأن الدعم الغربي الأساسي كان قادماً على الطريق -وفي النهاية، لم يكن ذلك الدعم قادماً كما أوحت الزيارة.
في بعض النواحي، بدا الوضع مشابهاً لما حدث في جنوب العراق في العام 1991، عندما شجعت الولايات المتحدة وغيرها المجتمع الشيعي على الثورة ضد حكم الرئيس صدام حسين، لكنهم لم يفعلوا أي شيء لمساعدتهم عندما تعرضت انتفاضتهم للقمع الدموي.
وكما قال ديفيد ليش، فقد "لقيت أعمال فورد إشادة عالمية في الولايات المتحدة وأماكن أخرى في الغرب باعتبارها عملاً شجاعاً استرعى الانتباه إلى محنة المحتجين، وبأنه ساعد بذلك في منع حدوث ما كان يتنبأ به البعض: ارتكاب مجزرة أخرى مثل تلك التي وقعت في حماة في العام 1982". لكن الأكثر احتمالاً هو أن أعماله وفروسيته حققت العكس تماماً.
عندما استعاد النظام السوري بعد أكثر من خمس سنوات الجزء الشرقي من مدينة حلب في كانون الأول (ديسمبر) 2016 -الذي كان تحت سيطرة قوات المعارضة العسكرية لأكثر من أربع سنوات (وتحول إلى أنقاض نتيجة لذلك)– لم يستطع الجزء الأكبر من المجتمع الدولي، بما في ذلك دول الخليج العربي والدول العربية التي دعمت معظم قوات المعارضة العسكرية، أن تفعل أكثر من مجرد الوقوف على الهوامش، وإصدار أشد الإدانات والتعبير عن الغضب الأخلاقي بشأن سفك الدماء والفظائع التي قالت التقارير أنها حدثت هناك. وكان هؤلاء عاجزون عن التدخل سياسياً أو عسكرياً لأنهم استبعدوا مُسبقاً أي تدخل عسكري في سورية قبل عدة سنوات، ولم يعد لهم أي تأثير حقيقي على النظام السوري (الذي قطعوا العلاقات معه قبل سنوات) ولا على حليفتيه، روسيا وإيران، من أجل تغيير سياساتهما المتعلقة بسورية. وعلاوة على ذلك، يبدو أن هذه الجهات لم تكن قد زودت الجماعات المعارضة بما يكفي من الدعم العسكري لكي تتمكن من كسب المعركة من أجل حلب.
في العام 2012، كانت الشخصيات البارزة في المجلس الوطني السوري ما تزال تتحدث عن تفضيلها للتدخل العسكري، كما لو أن ذلك يشكل إمكانية واقعية. وكان زعماء المنطقة يؤكدون للمعارضة أن التدخل "قادم بالتأكيد" لكنهم رفضوا قبول احتمال أن تختار الولايات المتحدة في النهاية عدم التدخل العسكرى بعد عقود من عرض العضلات.
استغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن تبدأ المعارضة بأن تدرك بما فيه الكفاية أنها أصبحت ضحية للتوقعات الكاذبة التي خلقها ما يسمى أنصارها الحميمون في الغرب، الذين لم يكونوا يريدون أن يواجهوها علناً، ويواجهوا أنفسهم، بحقائق الوضع على الأرض في سورية.

*هذه المقالة متقطفة من كتاب نيكولاوس فان دام الجديد، "تدمير أمة: الحرب الأهلية في سورية".
*مستشرق وباحث ومؤلف هولندي يكتب في شؤون الشرق الأوسط. كان سفير هولندا إلى كل من العراق، ومصر وألمانيا وأندونيسيا.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: What the West Got Wrong in Syria

التعليق