د.باسم الطويسي

هل تراجع المجتمع المدني؟

تم نشره في الأحد 27 آب / أغسطس 2017. 12:06 صباحاً

ما يرصد خلال الأسابيع الأخيرة من فعالية لمؤسسات المجتمع قد يدعو للتفاؤل للحظة، وقد يدعو للتوقف والتساؤل في لحظة أخرى، نأخذ على سبيل المثال الحاجة الى مراجعة منصفة ونزيهة لدور المجتمع المدني في التهيئة والمتابعة للانتخابات المحلية الاخيرة، ثمة اسئلة عديدة في هذا الملف بعضها استفهامية واخرى استنكارية ايضا، ثم ما دور وكيف وبأي ثمن؟ جاء دور المجتمع المدني في التعديلات التشريعية في القضايا الاجتماعية التي شهدتها بعض القوانين مؤخرا.
وأحد أبرز مظاهر الهشاشة الجديدة يبدو في ضعف استجابة الأطرالمؤسسية المدنية، وتراجع قدرات مؤسسات المجتمع المدني في قيادة الرأي العام أو حتى التأثير به،  بل الأمر زاد عن ذلك في عدم قدرة هذه المؤسسات في بلورة ردود افعال واحيانا في مجرد تحريك اي ساكن، لاحظنا ذلك بكل وضوح في أحداث كبيرة مثل الردود المؤسسية لاول جريمة اغتيال على خلفية حرية التعبير التي هزت المجتمع باكمله لكن دون افعال مؤسسية منظمة من قبل هذه الاطر المفترض انها تشكل معادلا موضوعيا باسم المجتمع، وتكرر ذلك في مواجهة خطابات الكراهية والتحريض، وهذا ينسحب على معظم المؤسسات المجتمعية المعنية بالحريات العامة وتلك المعنية بالكتاب والكتابة والفكر وانتاج المعرفة التي ما تزال تقف مشدوهة ومكتوفة الايدي بدون حراك وان تحركت فانها تقدم ردودا اعتذارية.
في المقابل نلاحظ طبقة اخرى من الهشاشة المجتمعية وردود الافعال السريعة للقواعد الاجتماعية التي قد تخلق حالة استقطاب هائلة ومزعجة في الرد على نكتة او صورة او معلومة مزيفة او شائعة، هناك حالة انسحاب واضح وتراجع في أداء المؤسسات المجتمعية المدنية التي يكتفي بعضها بمراقبة المشهد واحيانا تعفي نفسها حتى من أن تكون مراقبا، وينسحب هذا بصورة اقسى على الكتل الاجتماعية الحيوية مثل مجتمع الاكاديميين الذين لا حول ولا قوة لهم في الحياة العامة خارج قاعات الدروس، وكتل اخرى مثل المتقاعدين المؤثرين الذين من المفترض ان يعدوا خبراء وذخيرة المجتمع ومخزونه واحتياطه الثمين وحتى رجال الاعمال الوطنيين علاوة على كتل المثقفين العضويين الذين هم طليعة المجتمع العارفة التي من المفترض ان تكون بمثابة الكتلة التاريخية التي تتكون من مختلف الفئات ومن مرجعيات فكرية وسياسية متعددة يجمعها الايمان بالتعدد واحترام الاختلاف وحد أدنى من الاتفاق على مفهوم الصالح العام.
المشكلة لدينا انه علاوة على الضعف التاريخي لبنية المجتمع المدني، فقد دخلت الدولة بعلاقة زبونية ورعوية مع طيف واسع من هذه المؤسسات في السنوات الاخيرة، ما عطل عمل هذه المؤسسات ان تكون وسيطا موثوقا به بين الدولة والمجتمع. وبالتالي تعطلت هذه الوظيفة التي هي امس ما يحتاجها المجتمع والدولة معا.  
صحيح حققت مؤسسات المجتمع المني انجازات نسبية وطورت من علاقاتها بمؤسسات الدولة مع زيادة قوة مشاركتها في المجال العام، إلا أن هذا القطاع مايزال يحتاج الى تنمية حقيقية تنطلق من الايمان بان المجتمع المدني قوة للدولة مقابل ان المجتمع المدني الضعيف اضعاف للدولة. نحن بحاجة الى مسار جديد لتنمية المجتمع المدني الأردني لا فرض المزيد من التضيق عليه، بحاجة الى تطوير حضور التنظيمات المدنية في المحافظات وزيادة حجمها وفعاليتها، بحاجة الى توفير المزيد من فرص المشاركة امامها، على اقل تقدير نحن بحاجة الى مضاعفة أعداد الجمعيات والمؤسسات المدنية خلال السنوات العشر القادمة الى ثلاثة اضعاف، في دولة مثل المغرب هناك نحو مئة الف جمعية ومؤسسة مجتمع مدني.
علينا ان نستفيد اكثر من التحولات العميقة التي شهدها المجتمع المدني في العالم خلال العقود الثلاثة الاخيرة نحو إضفاء المزيد من القوة للدولة، حيث لم يعد المجتمع المدني مولّدا لحركات الاحتجاج الاجتماعية التقليدية القائمة على الغضب او العنف، بل أوجد ادوات جديد للتغيير قامت على تطوير مفاهيم الاحتجاج الايجابي الذي اندمج مع أدوات الدبلوماسية الجديدة على المستويين المحلي والدولي وعلى بناء انماط من الثقة والمشاركة وكسب التأييد، فلا يمكن اليوم تصور نجاح التنمية والمشاركة المجتمعية والديمقراطية بدون مجتمع مدني قوي.

التعليق