مروان المعشر

ندرة النقد الذاتي

تم نشره في الأربعاء 30 آب / أغسطس 2017. 12:09 صباحاً

ما يميز المجتمعات الحية القادرة على تجديد نفسها والتقدم للأمام قدرتها على النقد الذاتي، كوّن ذلك الوسيلة الوحيدة لإدراك القصور والانطلاق من الواقع نحو استشراف المستقبل المزدهر والعمل لبلوغه. هذه المجتمعات الحية تصر على مثل هذا النقد، فلا تكتفي بالتغني بأمجاد قديمة، الحقيقية منها والوهمية، ولا تلوم الغير على إخفاقاتها، ولا تكذب على نفسها بأنها تقدم أفضل ما يمكن ضمن الظروف المحيطة بها، ولا تتهم من يمارس هذا النقد بالتنظير او الجحود او ابتغاء مصلحة خاصة.
حين هزمنا شر هزيمة في حرب 1967 بعد سنوات من ممارسة العنتريات اللفظية وتجارة بيع الاوهام، اصررنا على نعت الهزيمة بالنكسة حتى اليوم. خمسون عاما مرت لم نستخدمها لا لمحو آثار "النكسة" ولا لنقد الذات والتعلم من الأخطاء، والانطلاق نحو مقاربات جديدة تقود لمستقبل أفضل، بل أمعنا في الإصرار على نفس الممارسات السابقة التي قادت إلى الهزيمة. بعد خمسين عاما، لا يبدو اننا أدركنا الدرس الأساس من الهزيمة، وهو ان تحويلها إلى نصر يتم عبر اعادة النظر في السياسات والممارسات، وليس من خلال خطابات منمّقة تحاول اعادة تغليف ذات السياسات والممارسات القديمة.
تحضرني هذه الأفكار وانا أعيد قراءة كتاب "النقد الذاتي للهزيمة" للمفكر السوري الراحل صادق جلال العظم والذي كتبه العام 1968، فكان أول عمل صريح يتناول أسباب الهزيمة من جميع جوانبها، ويضاف إلى إعمال نادرة أخرى تجرأت على النظر في المرآة كقصيدة نزار قباني "هوامش على دفتر النكسة" ومسرحية سعد الله ونوس "حفلة سمر من أجل 5 حزيران".  كم من المصاعب الحالية كان من الممكن تفاديها لو ان مجتمعاتنا استقبلت النقد الذاتي بالترحاب بدلا من محاربته وتهميشه.
لكننا وللأسف لم نتعلم النقد الذاتي لا كقيمة ولا كممارسة، وبقينا ننظر إليه كعملية تشكيك في القدرات والشخوص، فتم تجاهله من الكثير ولم يمارسه إلا القلة، وكانت المجتمعات تنظر إليه باعتباره عائقا أمام التقدم والتنمية، بدلا من احتضانه كممهد ومحفز لِغَد أفضل.
من هنا، فإن إدراج تعليم التفكير الناقد في مناهجنا قيمة وممارسة ليس ترفا لا يصح النظر إليه قبل معالجة اختلالات اخرى في انظمتنا التربوية، بل ضرورة ملحة لا يمكن بدونها التأسيس لمجتمع حي لا يضع قيودا على التفكير، بل يشجع مختلف الأفكار والطروحات التي تؤدي بدورها إلى الابتكار والتجديد. خمسون عاما كافية لإدراك ان الاعتماد على التهليل وسماع صدى الصوت والإصرار على احادية الفكر والابتعاد عن مراجعة الذات لم تنجح يوما في بناء مجتمعات مستقرة ومزدهرة، وأن جل ما قامت به هذه الممارسات هو اجترار نفس السياسات القديمة التي كانت تقود دوما لنفس النتائج الكارثية. 
يقول العظم في مقدمة كتابه: "أرجو أن يكون التفكير العربي الواعي قد وصل إلى مرحلة تجاوز فيها اعتبار النقد مجرد عملية تجريح أو تعداد لعيوب ومثالب ونقائص لا تنتهي. اي ان يكون حقق مستوى يعتبر على أساسه النقد أنه التحليل الدقيق بغية تحديد مواطن الضعف وأسباب العجز والمؤثرات المؤدية إلى وجود العيوب والنقائص. وكل نقد يلتزم بهذا المفهوم لا بد أن يكون هادفا في تدرجه، وإيجابيا في حصيلته مهما بدا، لأول وهلة، سلبيا وقاسيا". بعد خمسين عاما من كتابة هذا التحليل، هل حقا تجاوز التفكير العربي الواعي اعتبار النقد عملية تجريح أو تشكيك؟ اترك الجواب لكم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ندرة النقد الذاتي؟؟ (يوسف صافي)

    الأربعاء 30 آب / أغسطس 2017.
    في ظل انعدام سياسة الثوابت وتفشي سياسة المصالح تقلب (ضم التاء)الموازين والقيم والمبادئ ومابالك حالة صراع المعايير التي تعيشها المجتمعات العربيه نتيجة للوافد دون استئذان واوفلترة اوتمحيص بدء من الكلمه ولوجا ل الإحتلال ومابينهما من مروجين (امن أوجدوا حزب التشكيك دون تأطير ) والأنكى المملى من قوانين ومنظمات ومخرجاتها من مصطلحات مزركشه (باطنها السم والدسم) وعدم توائم هذه وتلك مع روافع منظومة المعرفه المجتمعيه من قيم وثقافة وأعراف(مصدر القانون الناظم مابين مكونات المجتمع ) والذي محصلته اصبح النقد للنقد وليس لتصحيح المسار ؟؟؟ وان كان مازال هناك فسحة من الأمل للنقد الذاتي لابد من إعادة التوازن لقاعدة منظومة المعرفه المجتمعيه من خلال لفظ الخبيث مما اعتراى روافعها من القوانين والمنظمات التي تغولت عليها والأخذ بالمتوائم وتطويره ؟؟ وهذا يتطلب الخيرين والغيوريين من علماء ونخب وإعلاميين القابضين على جمر الثوابت الذين لم تتلوث مداركهم ؟؟كما التياران دعاة الحداثة والعولمه (الجمل بما حمل ) والشد العكسي ممن تستروا بالموروث والعقيده ولوجا لمصالحهم الضيقّه؟؟؟ ولكل مجتمع ذاته وخصوصيته وعندما تستقر القاعدة وتتضح الصوره بسلبها وإيجابها يجيد الناقد نقده (لذاته واوللغير) ولوجا للهدف الجامع مصلحة الوطن والمواطن وتعرية من أستظل بالتنظيرمن التياران المضادان ممن تلفعوا سياسة راس روس كلنا رؤوس "كل واحد بدو على راسه ريشه (جهلا واوتقليد واوتبعيه للغير) "ان الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم "
  • »العالم وين واحنا وين (بسمة الهندي)

    الأربعاء 30 آب / أغسطس 2017.
    اتفق معك تماما أستاذ مروان المعشر. اذكر أنني قرأت كتاب ادوارد دي بونو "تعليم التفكير" عندما كنت طفلة والذي ترجم إلى لغات عالمية كثيرة، وأظن أن الكاتب أصدر أكثر من خمسين كتاب بعد ذلك عن التفكير. كبرنا وتجاوزنا منتصف العمر واليوم بدأ الناس عندنا يتحدثون عن تعليم التفكير في المدارس، يتحدثون فقط. العالم وين واحنا وين.