للاقتصاد "المجاني" ثمن

تم نشره في الاثنين 4 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً

ترجمة: ينال أبو زينة

عمان- موقع "فيسبوك"، الذي يمر به مستخدموه يوميا بمعدل 50 دقيقة، يعد أعضاءه بأن يبقى مجانيا إلى الأبد، وفيما يبدو ذلك وكأنه سرقة واضحة، إلا أنه يعتبر إحدى الصفقات التي تملأ الانترنت، حيث يشاهد متابعو "اليوتيوب"، مثلا، مليار ساعة من مقاطع الفيديو يومياً. هذه الإصدارات المجانية غالباً ما تكون باهظة الثمن، لكن المشكلة تكمن في آلية احتساب تكلفتها.
وطالما أن المشتركين في هذه الخدمات الرقمية لا يدفعون مقابلها مالياً سوى اشتراك الإنترنت العادي، لا يستطيع الاقتصاديون التعامل مع هذه المبادلات كما يتعاملون مع التحويلات العادية، فاقتصاد المجان يتخلف اختلافاً كلياً.
وعلى النقيض من التجار التقليديين، تجعل شركات مثل "فيسبوك" و"جوجل" مستخدميها ينتجون القيمة بذاتهم. وتستقطب المعلومات والصور التي يتم تحميلها من الهواتف وأجهزة اللابتوب إلى وسائل التواصل الاجتماعي أناساً آخرين إليها في كل وقت. ويرشد البحث على شبكة الإنترنت، فضلاً عن الاختيارات ومنظومة "اللايك" على وسائل مثل "فيسبوك"، عبر الخوارزميات إلى ما يحبذه ويريده الناس. مثال: (والآن قد ابتعت "البيان الشيوعي"، فما رأيك بنسخة من "داس كابيتال"؟).
ويعزى انتشار الخدمات المجانية في جزء لا بأس به منه إلى التاريخ. ففي السنوات الأولى للإنترنت، اعتاد العملاء على تحصيل الأشياء بالمجان. وكان لديهم القليل من الإدراك لقيمة بياناتهم الشخصية؛ فطالما أن الشركات الرقمية تتمتع بإمكانية الولوج إلى ملايين الناس، تكون قيمة بيانات شخص واحد صغيرة على أية حال. وبشكل جوهري أكثر، ليست الندرة عائقاً في العالم الرقمي كما هو الحال في العالم المادي. فالبيانات لا تنضب فيما يعتبر نقلها رخيص جداً. وفي العام 1993، كانت خدمة بريد "إم سي آي" الالكترونية تطالب مستخدميهما بـ550 سنتاً لكل 500 حرف في رسالة الكترونية، وتزيد عليهم 10 سنتات لكل 500 حرف إضافية. وقد خفض الإنترنت هذا السعر إلى صفر. بحيث أن هامش أرباح مثل هذه الخدمات صغير جداً.
وربما لا يدفع المستخدمون شيئاً، لكن لشركات مثل "جوجل" و"فيسبوك" تكاليف ثابتة تعمل على تغطيتها: المهندسون، مراكز البيانات، إلخ... ولنتحدث مالياً، فهي تعصر مستخدميها بشكل غير مباشر عبر دفع الشركات لوضع الإعلانات المناسبة أمام أعينهم. وفي الربع الثاني من العام، تقاضى "فيسبوك" من كل مستخدم ما متوسطه 4,65 دولار من خلال توفير شاشات تملؤها الإعلانات والترويج للوظائف.
وفي غياب الأسعار، يعاني الاقتصاديون في احتساب ما يحصد الناس عندما يقايضون بياناتهم واهتماماتهم بالخدمات الرقمية. وبعض المؤشرات تقول إن أعمالهم مربحة، حيث قدمت دراسة، قام عليها إريك بريجوليسون وفليكس إيجرز وأفيناش جانامنيني من معهد ماستاتشوستس للتكنولوجيا، مبالغ نقدية مختلفة لعينة ما مقابل ترك استخدام "الفيسبوك" مدة شهر. وتبعاً للاستجابات، قدرت الدراسة متوسط قيمة المبلغ السنوي التي تقاضاها كل فرد في العينة مقابل ترك "الفيسبوك" كانت قرابة 750 دولار. ويقترح استطلاع أبسط في الدراسة نفسها (بدون عروض نقدية حقيقية) أنه في المتوسط يقدر الناس قيمة محركات البحث المجانية عند 16 ألف دولار في العام الواحد، والخرائط عند 2,800 دولار ومقاطع الفيديو عند 900 دولار.
يبدو ذلك وأنه صفقة رائعة بالنسبة للمستهلك، لكنه يولد مشاكل في أماكن أخرى، لنأخذ الضرائب بعين الاعتبار هنا. فليس من المسموح للمهنيين تجنب الضرائب من خلال بيع خدماتهم مقابل الأرباح، إذاً لماذا لا تفرض ضرائب على المستخدمين في حال كانوا يتقاضون مقابل بياناتهم على شكل خدمات؟ ويعاني العاملون في الإحصاءات أيضاً في العالم البعيد عن الأسعار، حيث يتم قياس الناتج المحلي الإجمالي عادةً من خلال التحويلات بأسعار السوق.
واستخدمت دراسة، قام عليها ليونارد ناكامورا من البنك الاحتياطي الفدرالي لفيلادلفيا وجون سامويلز وريتشل سولوفيشيك من مكتب التحليل الاقتصادي، المبلغ المنفق على الإعلان لتقدير النواتج غير المحتسبة، ووجدوا أن الناتج المحلي الإجمالي الأميركي في العام 2013 كان يجب أن يتجاوز النسبة المعلنة بمقدار 19 مليار دولار.
وها هم الناشطون في حقول الخصوصية قلقون أيضاً. حيث يميل المستهلكون للاستجابة بقوة أكبر للعروض المجانية من تلك التي يعلو سعرها الصفر بقليل. وعندما وفر "أمازون" الشحن المجاني للدول الأوروبية لأول مرة، ارتفعت الطلبات –ولكن ليس في فرنسا، التي فرض فيها الموقع خطأً 10 سنتات على الشحنات. ويكمن قلق النشطاء في أن علامة "مجاني" ستعزز القرارات الخطأ والضعيفة، لتجعل الناس –مثلاً- يكشفون المزيد عن أنفسهم مما يفعلون لدى تعاملهم في عمليات التبادل الأكثر رسمية. ويتحدث الباحثون عن "مفارقة الخصوصية": فلدى سؤالهم، أجاب الناس أن أكثر ما يهتمون به هو الخصوصية، الأمر الذي لا تعكسه أفعالهم في الحقيقة.
ويزعج الاقتصاد المجاني أيضاً السلطات المعنية بالمنافسة. ويمكن تعريف السوق ذات القوة المفرطة بأنها القدرة على رفع الأسعار فوق تلك الموجودة في سوق تنافسية. ودون وجود أسعار لمقارنتها، وخيارات أخرى على بعد نقرة فقط، تبدو شركات مثل "جوجل" وأنها تعمل في بيئة ضعيفة المنافسة. ومن الساذج الاعتقاد بذلك. فالمستخدمون أكثر انجذاباً لها مما ينبني عليه انتقالهم إلى خيارات حتى أقل سعراً.
تستأثر "جوجل" بـ90 % من البحث على الإنترنت في معظم دول الاتحاد الأوروبي، حيث غرمتها سلطة مكافحة الاحتكار عليها في حزيران (يونيو) 2,4 مليار يورو لترويجها خدماتها الشرائية فوق منافساتها. وربما تكون خدماتها مجانية، لكن الطاعنين في الثقة رأوا أن قوتها السوقية كبحت خيارات المستهلكين. وفي غياب السعر، سوف يظهر الافتقار للمنافسة بشكل آخر: طلب المزيد من المعلومات من العملاء مما يودون هم أنفسهم تقديمه، على سبيل المثال، أو إزعاجهم عبر حشو الخدمات المقدمة لهم بالاعلانات.
ينقسم الرأي العام بين إذا ما كان الاقتصاد المجاني يحتاج إلى إصلاح أم لا، وفي حال كان يحتاج ذلك، يكمن السؤال في كيفية إحداث ذلك. في كتابه بعنوان "من يملك المستقبل؟"، يرى جارون لانيير أن الدفعات الصغيرة لقاء المساهمات الرقمية ربما تصحح مشكلة أخرى، سوء توزيع العمالة. فلو دفعت الشركات للأفراد مقابل البيانات المفيدة، بدلاً من تنظيف ما يتركونه خلفهم لمجرد أنهم يستخدمون خدمات الإنترنت، يمكن للأسعار أن تدفع الناس نحو نشاط أكثر إنتاجية على الإنترنت. ويدعو آخرون إلى تنظيم أشد صرامةً، بفرض أن يكون للمستخدمين خيار الدفع مقابل تحصيل نسخة من منصات وسائل الإعلام الاجتماعية تخلو من الإعلانات والملامح الرقمية. وليس أي هذه الخيارات وشيك الحدوث، وتأتي كلها بمشاكلها الخاصة حقيقةً. لكنها جميعها قد تجبر الناس، على الأقل، احتساب تكلفة هذه الخدمات غير المسعرة.

"الإيكونوميست"

التعليق