تهديدُ الكتاب ويقظةُ التنوير

تم نشره في الثلاثاء 5 أيلول / سبتمبر 2017. 12:04 صباحاً

أوَّل أمس، نشر مهندس وناشط تهديداً لي وللكاتب والصحفي باسل رفايعة، بما يعني أن مصيرنا سيكون كمصير المغدور ناهض حتّر، إن لم نكفّ عن "استفزاز الناس في دينهم"!! ومع أن المُهندس المُهَدِّد قد شطب البوست المنشور على صفحته على الفيسبوك، إلا أنه استعاض عنه بآخر أسوأ و(أدق رقبة)، تبعَته حملةٌ شرسةٌ من أصحاب الفكر الظلاميّ الذي يرى في نقد المسلمين، وتحديداً الإسلام السياسي، نقداً للإسلام ذاته. وإذا أنَّ هذه الحملة في تهديد حياتي لم تكن الأولى خلال عامٍ ونيّفٍ، فقد سبقتْها حملتان قذرتان جعلت من وجودي في بلدي مصدرَ قلقٍ كبيرٍ لأسرتي ولأحبابي ممن يشاركونني قراءتي للواقع، ومخاوفي من تداعيات المرحلة، خرجتُ منهما أصلبَ عوداً وإصراراً على متابعةِ ما كنتُ ابتدأتُه قبل سبعةٍ وثلاثين عاماً.
ومع الألم الفادحِ الذي أصابني بسبب غياب عموم الجسد الثقافيّ (الذي لي فيه صداقاتٌ عريقة أثبتت جبنَها وخيانتها أيضاً)، عن استنكار الحملات الشرسة التي تعرضْتُ لها وعددٌ من الكتاب الكبار، إلا أنَّ جسداً تنويرياً خارج الجسم الثقافي المتآكل، برز في هذه المعركة، مؤيّداً لفكرنا النقديّ، ومستنكراً هذا الفجورَ في الخصومة، ومتضامناً مع سلامتنا الجسديّة والفكريّة، من هذا الصراخ الأيدولوجي ذي الأذرع الخليجيّة والعالميّة. وهذا الجسد الجديد هو نواةُ تيارٍ تنويريٍّ جديدٍ، ربَّما، على الساحة العربيّة، بصفته تياراً لا أفراداً، يطمحُ أن يتجمَّعَ في شبكةٍ تشبيكيّة، يجمعُها الإحساسُ بالخطر الداهمِ، المتمثّلِ في إعدام العقلِ ورموزه، وفي تحويلِ المجتمعِ إلى قطعانٍ سائمةٍ، تقدّسُ البشريَّ التافهَ، وتسيرُ خلف دعاةٍ تُجّارِ دِينٍ، لا حظَّ لأكثرهم من عقلٍ ولا من أخلاق، وفي التأكيد على عجز المجتمع وثقافته الراهنة عن المساهمة البناءة في الحضارة الإنسانيّة، وفي بناء المجتمع نفسه قبل ذلك.
ومع هذا الأمل المتبلور في بؤرةٍ جديدةٍ للنضال ضدَّ الظلام، يبدو أنّ علينا أن ندرسَ جيداً، كتنويريين وتنويريات، طريقةً فعّالةً في تجمّعنا وتشابكنا، حولَ هدفٍ مرحليٍّ، ليسَ منهُ نقد المحتوى الفكريِّ المختلفِ سواء أكان "ليبرالياً" أو "يساراً يؤازرُ استبداداً" !! فنحنُ لا نملك ترفَ هذا التشطيرِ، ولا ترفَ طُهرانيةٍ سياسيّةٍ تصنِّفُ أفرادَ هذا الحلفِ الطبيعيّ بحكمِ مواقفه الفكريّة من ظلاميات الإسلام السياسيّ.

التعليق