عيسى الشعيبي

ذاكرة العيد الحصينة

تم نشره في الاثنين 4 أيلول / سبتمبر 2017. 11:01 مـساءً

لكل منا ذاكرته الخاصة عن العيد، ولدينا في الوقت ذاته ذاكرة جماعية مشتركة، تختلف باختلاف العمر والجنس والتجربة والوعي والمستوى الاجتماعي، وغير ذلك من الفوارق الطبيعية بين الناس، ممن احتفلوا بهذه المناسبة الدينية المحمولة على جناح الفداء والتضحية، الأمر الذي يثير في النفس لواعج شخصية عصية على البوح، ويستدعي فواصل من الأفراح الصغيرة العابرة كومضات متناثرة في عتمة الليل الطويل، ويسترجع الى الاذهان محطات من الاحزان المثقلة بلوعة الفراق، وخيبات الامل والحرمان والخسارات الثقيلة، الراجحة على بعض النجاحات القليلة.
    وليس من شك في ان العيد في زماننا هذا لم يعد يشبه تلك الاعياد التي عشناها في ايام الصبا، حين كنا اكثر براءة واشد دهشة، وكنا اقل تطلباً وتحملاً للمسؤولية، وكانت عوالمنا اصغر، والحياة ابسط، والاماكن ارحب، والشوارع اقصر، والعلاقات الانسانية ادفأ، ولولا منتجات التقنية الحديثة، ومخرجات التكنولوجيا الرقمية، وما وفرته من خيارات سهلة، فضلاً عما يسرته من خدمات جعلت الحياة اليومية اكثر دعة وانعم، لقلنا سقا الله تلك الايام الخوالي، يوم كانت الحياة ايسر، وكان العيش اهنأ، يوم كنا لا ندري أنّ في هذه الدنيا الواسعة كل هذه البدائل المتاحة وكل هذه الممكنات.
    ولا احسب ان احداً منا قادر، مهما بلغ شأناً ونال مالاً وفيراً، على الفكاك من ذاكرته القديمة بحلو يسرها ومر عسرها، او انه راغب في التحرر من عهدها الجميل، أياً كانت ظروف نشأته صعبة، ومدارات حياته متعرجة، حين كنا لا نسأل كثيراً، ولا نعرف من الدنيا الا الشحيح من المأكل والملبس والملذات، ولا نعي مفردات مثل البذخ والافراط والتخمة، ولا نشتهي الا ما كان دارجاً في محيطنا الاجتماعي، وما كان متداولاً من اشياء بعضها طوع الاماني الساذجة، وبعضها الآخر في متناول اليد، مما هو متوفر بين ايدي الاهل والمعارف والجيران.
    كان للعيد طعم اطيب مذاقاً في زمن الندرة، وكانت الهموم فيه آنذاك اخف وطأة، تقاليده المستقرة كانت تؤدّى بلا مشقة، والتزاماته المادية وواجباته الاجتماعية تجري بتلقائية مفرطة، بما في ذلك الزيارات السريعة، وجولة صلة الرحم، وذبح الاضحية وعمل وجبة غداء دسمة بالمناسبة السنوية اليتيمة، وهي مظاهر حميمة باتت نادرة في ايامنا هذه، تقام في اضيق الحدود وفي اكثر المناطق بعداً عن حياة المدينة الصاخبة وشوارعها المزدحمة، الامر الذي يجعل الكثيرين منا يترحّمون على اعيادهم تلك، ويحملهم على الحنين الى عهد البراءة الاولى.
     صحيح ان اعيادنا كانت مصحوبة ببعض المصاعب الذاتية والكثير من المتاعب الجماعية، بما في ذلك سنوات المحل والقحط، والحروب والقلة والهجرات والنوازل المتفرقة، ناهيك عن قصر الباع والترفع في الوقت ذاته عن مذلة السؤال، الا ان جيل الآباء والاجداد لم يشهد مثل هذه الاوضاع المرعبة، وكل هذه الكوارث المتنقلة، فلم يعرف شيئاً اسمه الارهاب، ولم ير كل هذا الموت بالجملة، الى الحد الذي فقد فيه الموت جلاله وخسر رهبته، فذهبت الطمأنينة، وراحت هدأة البال، وانقضى الوئام الداخلي بين المرء ونفسه، رغم سعة دروب العيش في هذه الأزمان.
    وكم من الآباء يودون لو انهم يتلون، بمناسبة العيد، مزاميرهم هذه على الابناء المتعجلين على الغُنم دون غرم، وحرق المراحل دفعة واحدة، ويقصون عليهم الحكايات الأثيرة في زمن الشدائد، ويعيدون الى ذاكرتهم المثقوبة عهد الرجال الذين صنعوا انفسهم بأنفسهم، بالاتكال على السواعد وقوة الارادة، فاصابوا نجاحاً انتزعوه من العدم، وحققوا ما هم عليه من مكانة بالجد والمثابرة والقليل من حسن الحظ، لعل من يتبرمون من الوصول الى مبتغاهم بسرعة، ويتأففون من كل صغيرة وكبيرة، يدركون ان الحياة تؤخذ غلاباً، ويتمثلون عهد آبائهم بالحد الادنى.
    ختاماً أسأل حالي عن حالي؛ ماذا خربشت ايها الفتى الكبير وماذا وشوشت؟. هل كتبت شيئاً عن نفسك، هل نبشت موضعاً حصيناً في ذاكرتك، هل استعدت بعضاً مما غفا في قلبك؟ هل وددت ان تقول بعضا مما يخامر عقلك ثم أجلت القول الى مناسبة اخرى؟. واجيب؛ ليس تماماً، وليس بالضرورة كنت انت صاحب هذه الذاكرة المستباحة، ولا من يشبهك، فتوقف عن البوح، الى ان يهدأ قلبك.

التعليق