محمد أبو رمان

عن "التقوقع الرسمي"!

تم نشره في الثلاثاء 5 أيلول / سبتمبر 2017. 11:10 مـساءً

كيف يمكن أن يتم التفكير بتمرير تعديلات على أحد أهم القوانين، إن لم يكن أهمّها على الإطلاق، أي قانون ضريبة الدخل، من دون أن يكون هنالك تحضير وتمهيد واشتباك مع الرأي العام والشارع بخصوص التغييرات المطروحة!
       قانون مثل ضريبة الدخل يقع في صميم السياسات الاقتصادية- الاجتماعية، وفي جوهر الفلسفة الوطنية، فإذا كانت الحكومة مقتنعة به فلماذا لم تحضّر الرأي العام بصورة غير مباشرة، وتقوم بحملة واسعة من أجل إقناع النواب والشارع بأنّ التعديلات أفضل، هل "التقوقع الحكومي" بمثابة خوف وخشية من الاشتباك مع الشارع؟ أم ضعف وعدم قدرة؟ أم عدم قناعة؟!  
      ما نزال في طور التسريبات، ولن أناقش ما تمّ نشره منها، لكنني أتحدث عما هو أهم من المحتوى والتفاصيل، أي "الفراغ السياسي" الكبير الراهن، فلا يوجد من يتحدث مع الناس من الحكومة؟ ليخبرهم على الأقل بما يجري وما يحدث؟ وكأنّنا نفترض أنّ مثل هذه السياسة "سكّن تسلم" ستنقذ المسؤول والوزير من مواجهة الشارع والاشتباك مع الرأي العام وتقديم رواية الدولة تجاه ما يحدث داخلياً وإقليمياً!
       ليس فقط قانون الدخل، بل في كل شيء يجري حولنا، ألم تكن أحداث الرصيفة وما تخللها من تطورات (تحتاج إلى وقفات كبيرة) تستدعي رواية حكومية! رسالة سياسية وإعلامية؟! ولا أريد أن أذكّركم بأحداث سابقة!
       وهكذا! لو أخذنا أهمّ الأحداث والقضايا، فلن نجد هناك أي رواية إعلامية أو رسالة سياسية مباشرة أو غير مباشرة من الدولة، لدينا مشكلة عميقة ومعقّدة في هذا الخصوص، وكأنّ المطلوب اليوم المسؤول الصامت، المتواري عن الأنظار، بوصفه النموذج الجديد، وتجنّباً للانزلاق بكلمة هنا أو هناك، في حال قام بتصريح أو بتقديم جزء من الرواية الرسمية، أو غير الرسمية تجاه أحداث معينة.
       في حال كانت هذه حال المسؤولين، وأغلب الظنّ للأسف أنّ هذا هو السبب وراء المزاج الرسمي الصامت الراهن، فنحن أمام مشكلة كبيرة وحقيقية، فإذا كانت الدولة نفسها تخشى من بناء روايتها وتقديم رسالتها، وإذا افتقدنا إلى رجال دولة لديهم من الجرأة والشراسة كي يقدموا الرسالة المطلوبة، فكيف سنتوقع أن يحمل إعلامنا تلك الرسالة التي لا يعرفها أصلاً؟ وكيف نتوقع أن يقبل المواطنون تلك المواقف ويفهموها!
 لماذا لا يدافع المسؤولون عن سياساتهم؟! يبدو هنالك حالة أشبه بالـ"فوبيا" لديهم من التصريح والاجتهاد ومحاولة تقديم الموقف، وهي حالة خطيرة، من الضروري أن نتجاوزها، وألا نحجر على المسؤولين والوزراء إعلامياً، ونضعف رغبتهم في التصريح والاشتباك مع الشارع، خشية الانزلاق بكلمة هنا أو هناك. فالسياسة في النهاية لا تصاغ عبر تصريح أو جملة، لكن إذا لم يدافع المسؤولون عن سياساتهم، فمن إذاً؟ ومن يقنع الناس بذلك؟!
      لا أقول بأنّ التصريحات من المفترض أن تكون ارتجالية أو غير مدروسة، بل على النقيض من ذلك الرواية الإعلامية والتصريحات والتسريبات، هي صنعة معقّدة، على درجة كبيرة من الاحتراف، لكن البديل ليس "سياسة الصمت"، بل تطوير الرسالة الاتصالية للدولة، داخلياً وخارجياً!
     اللحظة الراهنة بمثابة مرحلة انتقالية للأردن، على أكثر من صعيد، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، داخلياً وخارجياً، تحتاج إلى "المسؤول الشرس" المسيّس، وإلى رواية حكومية متكاملة، وإلى فريق عمل سياسي، وفريق عمل اقتصادي، أمّا المسؤول المرتعدّ الخائف، والوزير الذي يصنّف نفسه تكنوقراطياً وفنياً، وكأنّ وزارته في كوكب زحل، فهؤلاء لا يمكن أن يخدموا الدولة وسياساتها، فالفني يمكن أن يكون مسؤولاً إدارياً في وزارة أو مؤسسة، لكن الوزير هو مسؤول سياسي، والسياسي لا يتوارى عن الأنظار!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال عابر للزمن (بسمة الهندي)

    الثلاثاء 5 أيلول / سبتمبر 2017.
    استاذ محمد مقالك هذا كان صالح قبل عشر سنوات، وقبل خمس سنوات، وصالح اليوم، وسيكون صالح السنة الجاية واللي بعدها إلى أن يأتي اليوم اللي راح نفوت فيه بالحيط.