محمد أبو رمان

أيّهما أكثر خطرا؟!

تم نشره في الجمعة 8 أيلول / سبتمبر 2017. 12:09 صباحاً

أيّهما أكثر خطراً؛ العجز المالي في الموازنة، والمديونية أم العجز المائي والتراجع الرهيب بحصة الفرد الأردني من الماء، خلال الأعوام الأخيرة؟!
الجواب: بالطبع أنّ الاثنين خطيران، يهددان الأمن الوطني. لكن العجز المائي أشدّ خطورة وأكثر فتكاً، ويطاول جوهر الحياة الإنسانية ذاتها، إلاّ أنّه – يا للغرابة!- خارج رادار اهتماماتنا الوطنية الكبرى، سواء على الصعيد الرسمي، أو الشعبي.
كلنا يتحدث عن المديونية والعجز المالي، وهي التحديات المنظورة. في المقابل لا نجد نقاشاً وطنياً جديّاً في موضوع العجز المائي وخطورته على مستقبل البلاد والعباد، والحلول المقترحة، والسيناريوهات المتوقعة، ولا يوجد "صندوق نقد مالي" مثلاً، بهذا الخصوص!
مناسبة الكلام.. هو تقرير نٌشر قبل يومين في الغد (للزميلة فرح عطيات) عن دراسة أميركية تتحدث عن تغيرات مناخية ستطيل فترة الجفاف في الأردن، لتصل إلى أطول فترة جفاف تاريخية، وتتوقع الدراسة أن يشهد الأردن انخفاضاً في معدل الأمطار يصل إلى 30 % في فصل الشتاء، مع ارتفاع درجة الحرارة بمعدل 4.5 %.
وخلصت الدراسة إلى  أنّ "هذه التغيرات يمكن أن تسبب الجفاف الجوي 28 عاما من كل 30 عاما، بحلول العام 2100، وحاليا يحدث الجفاف كل 7 أعوام من أصل 30 عاما".
الدراسة تتحدث عن سيناريو خطير. وقد يقول البعض بأنّنا ما نزال في إطار الاحتمالات العلمية، ولا يجوز أن نبني عليها سياسات أو هلوسات أو هواجس؟! هذا نسبيا صحيح، لو أنّ الوضع الحالي مطمئن، فالأردن تغير تصنيفه في معدلات الماء عالمياً، من أفقر عشر دول، إلى أفقر أربع دول، إلى أفقر دولة مائياً!
لم أجد رقماً دقيقاً لمعدل استهلاك الفرد الأردني من الماء، خلال الأعوام الأخيرة، وربما ذلك عائد إلى تغير مستوى الضغط على الماء مع محاولة استحداث مصادر جديدة، إلاّ أنّ الرقم الأقرب خلال العامين الماضيين يصل إلى حدود 80 م مكعب سنوياً، بينما المعدل العالمي لنسبة استهلاك الفرد تصل إلى 1500 م مكعب سنوياً، فتخيّلوا حجم الفرق الفلكي!
بالضرورة تدفق الأشقاء السوريين أثّر بصورة استثنائية على نسبة الفرد، المنخفضة أصلاً، خلال الأعوام الماضية، بالإضافة إلى الجفاف النسبي، مع مستوى الفاقد الكبير المرتبط بـ"التهرب المائي" وسرقة مياه الآبار، إذ يصل حجم الفاقد إلى 45 % من خطوط المياه، بسبب الشبكات والبنية التحتية، ووفقاً لوزير المياه فإنّ 30 % من هذا الفاقد مرتبط بسرقة المياه!
في المحصلة لدينا مشكلة وجودية حقيقية في الأردن، تهدد مستقبلنا بصورة جديّة، إن كنّا نفكّر أبعد من مستوى أنوفنا، تتمثل بفقرنا المائي، فكما أنّ علينا مواجهة التهرب الضريبي الكبير، فإنّ المطلوب هو إعلان الحرب على سرقة آبار المياه، وتحسين المصادر المائية، وأن تكون هذه الحرب مدعومة مجتمعياً وشعبياً.
هنالك استراتيجيات وتصوّرات مهمة وحيوية، على مستوى الوطن، مثل مياه الديسي، وقناة البحرين. لكن الحديث عن الجفاف طويل الأمد والمفقود المائي، وحصة الفرد من الماء، كل تلك القضايا تتطلب إعمال مفهوم "الخيال" لدى المسؤولين والمعنيين، عن هذا القطاع وغيره، للتفكير في المستقبل وفي الموارد المائية والحلول الجذرية، وهي مسألة قد ترتبط ببعض أبعادها بالسياسات العامة والوطنية.
المعجزة الأردنية تحققت عبر دولة استطاعت عبور محطات وجودية سياسية حاسمة ومفصلية، كان الكل ينتظر سقوطها خلالها. أما وأنّ هذه الدولة أصبحت من أكثر الدول العربية، إن لم يكن أكثرها، استقراراً ورسوخاً، فإنّ علينا ألا نكتفي بالتفكير بالتحديات السياسية والاقتصادية فقط، لأنّ التحدي المائي أكثر جدية وخطورة وأهمية، ومثل هذه الدراسات المستقبلية تتطلب مراجعة ومناقشة، في الحدّ الأدنى.

التعليق