إبراهيم غرايبة

الانهيار بما هو الخروج من المجتمعات

تم نشره في السبت 9 أيلول / سبتمبر 2017. 12:08 صباحاً

"المدينة هي التي أعادت تكوين الإنسان" روبرت ردفيلد يلاحظ آلن تورين عالم الاجتماع الفرنسي ومؤلف كتاب براديغما جديدة لفهم عالم اليوم، أن فئة من النخب أو علية القوم لم يعودوا في أعلى المجتمع. لكن فوقه. ولم يعد المهمشون والمحرومون في أسفل المجتمع لكن خارجه. وفي ذلك فإن هاتين الفئتين ترشحان نفسيهما والتحول الاجتماعي الفظيع، وبطبيعة الحال فإنهما تجران المجتمعات والدول وراءهما للفشل والانهيار، فالخارجون من المجتمع هم في الحقيقة خارجون عليه. وإذا كان واضحا أو شائعا الحديث عن المهمشين كقاعدة اجتماعية للعنف والكراهية فإن النخب تتحول إلى جماعات للعنف والمهمشين.
يمكن هنا الإشارة إلى مثال تاريخي يذكره لويس ممفورد في كتابه "المدينة على مر العصور"، فعندما فشل الإغريق في بناء الدمج والمشاركة تحول المواطن أولا كما يقول ممفورد إلى الفاتح والمستغل المتغطرس، ثم التابع الخاضع ومعلم الصغار الذليل والمتسول.. حتى أصبح اسمه علما على الذلة والمهانة بين الرومان برغم إعجابهم بقدماء الإغريق ومحاكاتهم إياهم.
لدينا في مجتمعاتنا المعاصرة مثال ما يزال قائما عن فرسان الدولة البيزنطية في الحاميات والمراكز الطرفية والذين ظلوا في البلاد بعدما فتحها العرب في القرن السابع، وما تزال بقاياهم وامتداداتهم حتى اليوم فئة هامشية في المجتمعات حتى الذين حققوا ثراء واسعا أو مواقع وظيفية واقتصادية متقدمة. ويمثل "الغجر" حالة عالمية للفئات التي اقتلعت من بلادها ومجتمعاتها وظلت مقتلعة وعاجزة عن الاندماج والمشاركة عندما عجزت عن الانخراط في المدن والمجتمعات القائمة التي تعيش فيها أو هاجرت إليها.
اليوم يمكن فهم العنف الديني القائم على أنه عمليات بحث عن مكان أو مكانة في الدول والمجتمعات، برغم أنه عنف موجّه ضد الدول والمجتمعات، فحين تعجز فئات اجتماعية أن تكون جزءا من المنظومة الاقتصادية والاجتماعية تخرج منها بطبيعة الحال (مهمشون) أو تخرج عليها (إرهاب)، وبرغم الاعتقاد بخطأ وجريمة العنف والإرهاب فإننا (الدول والمجتمعات)  في الوقت نفسه ندين أنفسنا لعجزنا عن توفير فرص المشاركة الاقتصادية والاجتماعية لكل فرد أو مجموعة، وعلى هذا النحو فإن الإرهاب يؤشر إلى الفشل!
تركز المقالة أساسا على فئة من الأغنياء والمتنفذين تخرج نفسها طوعا وبأناقة مستعلية من المجتمعات والمدن وقضاياها وهمومها، وتحسب أن في مقدورها أن تنشئ مجتمعاتها وعالمها الخاص، وقد يبدو ذلك اليوم ممكنا وملاحظا في تشكل أحياء خاصة مغلقة بمدارسها وأسواقها وحياتها الاجتماعية،.. لكن ذلك لا يمكن إدامته ففي هذا الخروج تهميش وإضرار بالذات وإن بدا مستعليا، وحتى المتطرفون بجميع فئاتهم الاقتصادية والاجتماعية ينشئون في واقع الحال استعلاء على المجتمعات الكبرى ومفاصلة شعورية وواقعية معها، وقد يبدون لغيرهم حالة من التهميش والبؤس، لكنهم في وعيهم لذاتهم يعيشون حالة من الرضا والسعادة بهذا الانفصال والتهميش، ويرون أنفسهم أفضل من غيرهم، وأنهم يمثلون الصواب والأفضل. ولا يرون أنفسهم أقل أهمية وسعادة من المجتمعات الغنية المغلقة.
يبدأ الإصلاح بتقليل الفروق الاقتصادية والاجتماعية بين الفئات (ردم الفجوة الاقتصادية والاجتماعية) ودمجها معا بالعودة إلى قيم الطبقة الوسطى بما هي القائد والمرشد لجميع فئات المجتمع ومؤسساته.

التعليق