الولايات المتحدة تكسب بعض المعارك.. لكن المتمردين يكسبون الحروب

تم نشره في السبت 9 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً
  • جنود أميركيون في أفغانستان -(أرشيفية)

بريان كلاوفلي - (مؤسسة الثقافة الاستراتيجية) 2/9/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

قال الجنرال جون ف. كامبل، قائد كافة القوات الأجنبية العاملة في أفغانستان في الفترة بين العامين 2014-2016 في كلمة له في كابول يوم 28 كانون الأول (ديسمبر) في كابول: "إن المتمردين يخسرون، إنهم يائسون". لكنهم لم يخسروا وليسوا يائسين.
في 21 آب (أغسطس) الماضي، شرح الرئيس ترامب خطته للاستمرار في حرب الولايات المتحدة-الناتو المستمرة منذ 16 عاما في أفغانستان، حيث من المفترض أن تكون الخطة قد احتوت على استراتيجية جديدة. لكن الغريب أن كلمته تضمنت الإعلان عن أن "قواتنا سوف تقاتل لتكسب. وسوف نقاتل لنكسب"، مما يستدعي التساؤل -الا تحارب الجيوش دائما لتكسب؟ وإن لم يكن الحال كذلك، فإننا قد نسأل: من أجل ماذا قتل كل جنود "ائتلاف" الولايات المتحدة-الناتو طيلة هذه الأعوام المنقوعة بالدماء، والتي استوجبت من دافع الضرائب الأميركي دفع أكثر من تريليون دولار كلفة حرب غير قابلة لأن تكسب؟
تجدر الإشارة إلى أن البلدان الأجنبية الأخرى المنخرطة في الحرب لم يترتب عليها دفع أي مبلغ يشبه ذلك المبلغ. كانت الكلفة على بريطانيا، مثلا، قبل أن تخفض قواتها إلى فريق تدريب صغير في العام 2015، حوالي 27 مليار جنيه استرليني -35 مليار دولار. وقد قتل لها 453 جنديا فقط. وهو عدد ضئيل عندما يتعلق الأمر بالساسة. وهناك عدد قليل جدا من الناس في المملكة المتحدة يعرفون أو يهتمون بحرب بريطانيا الكارثية الرابعة في أفغانستان.
لكن الفاتورة الأميركية تتضمن مبلغ 54.2 مليار دولار لإدارة متقاعدي الحروب من أجل الوفاء بالكلفة المذهلة الخاصة بالعناية بكل الجنود الجرحى، بمن فيهم آلاف لا تعد ممن تحطمت حيواتهم لأنهم تشوهوا جسديا أو انفصموا ذهنيا لهول تجاربهم المرعبة الفظيعة.
وهكذا، أعلن ترامب أنه "اعتبارا من الآن فصاعدا، سوف يكون للانتصار تعريف واضح، مهاجمة أعدائنا وإبادة "داعش وسحق القاعدة ومنع طالبان من الاستيلاء على أفغانستان ووقف الهجمات الإرهابية الجماعية ضد أميركا قبل ظهورها". ويا له من تغيير مقارنة مع تغريدته في العام 2013، حين قال: "يجب علينا مغادرة أفغانستان في الحال. لم يعد هناك مجال لفقدان المزيد من الأرواح".
لكن ، هل يعتقد ترامب فعلاً أنه إذا غادرت الولايات المتحدة أفغانستان، فستكون هناك "هجمات إرهابية كبيرة ضد أميركا"؟
في اليوم التالي بعد إعلان ترامب أنه سوف يمدد تفويض القوات المسلحة الأميركية لاستهداف الشبكات الإرهابية والإجرامية في أفغانستان، لأن "هؤلاء القتلة يجب أن يعرفوا أنه لا مكان يمكنهم الاختباء فيه، وأنه لا مكان عصيا على وصول القوة الأميركية والأسلحة الأميركية إليه"، شرح وزير خارجيته، ريكس تيلرسون، سياسة رئيسه الخاصة بالحرب، وأضاف بضع أفكار من عنده.
في الحديث عن "النهج العسكري الجديد"، قال تيلرسون: "أعتقد أن الرئيس كان واضحا في القول إن المقصود من هذا الجهد كله هو ممارسة الضغط على طالبان لجعلهم يفهمون: إنكم لن تحرزوا انتصارا في ميدان المعركة. وربما لا نكسب نحن انتصارا، ولكنكم لن تفعلوا أيضاً. وهكذا، عند نقطة ما، يجب أن نأتي إلى طاولة التفاوض ونجد طريقة لوضع حد للحرب".
لكن هذا هو كل ما تجري حرب العصابات لأجله: إضعاف العدو الذي يتمتع بتفوق شاسع إلى النقطة التي تجعله يائسا للخروج وحتى يجيء إلى طاولة المفاوضات لبحث الشروط -شروط المتمردين، صراحة. إن المتشددين لا يريدون كسب "انتصار في ميدان المعركة".
على سبيل المثال، لم يكن هناك بالكاد أي سؤال عن أن جيش الولايات المتحدة وأساطيل طائراتها الهجومية التي تغطي وجه السماء لم تخسر أي معركة في فيتنام أبدا. ومن الطبيعي أن القوات الأميركية كانت ستشق طريقها بين صفوف المعارضة التي شكَّلها جيش فيتنام الشمالية ومقاتلو حرب عصابات الفيتكونغ لو أن الفيتناميين اختاروا القتال في ميدان المعركة بدلاً من استخدام تكتيكات حرب العصابات الكلاسيكية. والفكرة هي أنهم لم يكسبوا العديد من المعارك -لكنهم كسبوا الحرب.
أدرك هذه الحقيقة الكولونيل الأميركي هاري سامرز، المفكر العسكري الذي يعتبر كتابه عن الاستراتيجية بعنوان "تحليل ناقد لحرب فيتنام" ممتازا، لكنه غير معروف لدى ترامب وتيلرسون كما يبدو بكل وضوح.
كان سامرز قد خدم في فيتنام، حيث جرح مرتين ومُنح وسام الشجاعة مرتين. وعند نهاية الحرب، ذهب إلى هانوي في نيسان (أبريل) من العام 1975 كرئيس لوفد مفاوض في قضية أسرى الحرب، وتحدث مع العديد من الضباط الفيتناميين الشماليين. وفي خضم المباحثات مع الكولونيل الفيتنامي "تو"، قال سامرز: "هل تعرف أنكم لم تهزمونا في ميدان المعركة أبداً"؟ فصمت تو للحظة ثم أجاب قائلا: "قد يكون ذلك صحيحاً. لكنه غير ذي صلة". وكان الأمر كذلك تماما. لأن القوميين الفيتناميين كسبوا الحرب ضد الأميركيين.
في أوج الحرب في أفغانستان، كتب اللفتنانت في الجيش الأميركي دانيال ديفيس: تمتلك الولايات المتحدة مع أكثر من 40 دولة من حلف الناتو وغيرها من الحلفاء القوة العسكرية الأكثر تطورا وقوة والمتقدمة تكنولوجيا التي تطأ ميدان القتال. ونحن نتوافر على أفضل الجنود وأحسنهم تدريبا والذين يوجدون في كل مكان؛ لدينا عربات مدرعة من كل نوع وتضم دبابات (أم. آي. إيه-2) القتالية الرئيسية والمدفعية والهاون والصواريخ المتطورة والصواريخ الموجهة بدقة، ومنصات إطلاق صواريخ محمولة باليد. ونتوافر على قوة جوية لا تجارى أبدا، والتي تتكون من طائرات نفاثة مقاتلة مخصصة للهجوم البري، والتي تشكل أكثر طائرات الناتو تطوراً، وقاذفات وطائرات إنذار مبكر ومراقبة "أواكس" وطائرات تجسس وطائرات إشارة وتعرض، وقاذفات (بي-1) وطائرات عمودية هجومية وطائرات نقل جماعي لنقل قواتنا والإمدادات الحساسة حيثما تمس الحاجة لها؛ ولدينا آلاف الطائرات الجوية المسيرة لجمع المعلومات الاستخبارية ولإطلاق الصواريخ على حد سواء؛ ولدينا أسطول طائرات عمودية لنقل الجنود ودعم الهجوم؛ ولدينا مجموعة ضخمة من أقمار التجسس الاصطناعية، ولوجستيات غير محدودة كما يليق بالمجمع الصناعي العالمي؛ ولدينا كل جهاز تكنولوجي معروف في مجال الأسلحة؛ ونحن قادرون على اعتراض كل شكل اتصالات المتمردين بحيث تشمل الهواتف النقالة واللاسلكي و"الووكي توكي" وهواتف الأقمار الاصطناعية والبريد الألكتروني وحتى، غير ذلك، بعض قدرة التنصت على المحادثات الخاصة؛ ومجموعة قادرة بشكل بارز من محللي الاستخبارات المتعلمين والمتدربين جيدا والمؤهلين إلى درجة كانت توجد في عالم الخيال؛ ولدى دولنا المختلفة الملاءة الاقتصادية لإنفاق عشرات مليارات الدولارات في كل شهر لتمويل كل ذلك... ولعشرة أعوام تقريبا، حشدنا هذه القدرة التي لا تعقل وغير المسبوقة ضد زمرة من الأشخاص الذين يلتفون بأغطية الأسرة وينتعلون الشباشب. لم يستطع كل جبروت التحالف العسكري للولايات المتحدة والناتو هزيمة طالبان ببنادقهم القديمة من طراز كلاشنيكوف وقنابلهم التي يستمرون في تفجيرها، غالبا بعمليات انتحارية، على قارعة الطريق، وبين صفوف الحشود البائسة من المدنيين الأبرياء تماما، وضد الأهداف العسكرية -وضد كل شيء أو كل شخص يستطيعون استهدافه لخلق الرعب وإلحاق الضرر والأذى، مع إدراك أن الأجانب والحكومة الفاسدة وغير الفعالة في كابول لا يستطيعون فعل أي شيء لوقفهم.
لا يعرف ترامب عن أي شيء يتحدث عندما يعلن أن أميركا "سوف تقاتل لتكسب". لكن المقلق هو أنه لقي التشجيع من جانب الجنرالات الثلاثة ليقول ذلك، والذين يكن لهم هذا التقدير: الجنرال كيلي رئيس موظفيه؛ والجنرال مكماستر مستشار الأمن القومي الأميركي؛ والجنرال ماتيس وزير الدفاع. وهم المسؤولون عن توجيه 200.000 جندي أميركي منتشرين في 177 بلدا حول العالم، ويريدون الكسب في أفغانستان.
وإذن، هناك خطة أميركية لتحقيق النصر في أفغانستان. ولكن، يجب على حكماء واشنطن الموشحين بالأوسمة بقيادة المتهرب من التجنيد في حرب فيتنام، دونالد ترامب، يجب عليهم التفكير في تو، بأن الكسب في ميدان المعركة غير ذي صلة. ويستطيع هؤلاء التخطيط، وإعادة التخطيط والتخطيط ثانية، لكنهم لن يكسبوا.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Always Planning Never Winning: While US Wins Some Battles, Insurgents Win the Wars

التعليق