د.باسم الطويسي

مزيد من الضغط على الطبقة الوسطى

تم نشره في السبت 9 أيلول / سبتمبر 2017. 11:06 مـساءً

الجميع كان يتوقع إجراءات اقتصادية ومالية جديدة في الربع الأخير من العام للوفاء بالالتزامات التي فرضها برنامج البنك الدولي، ولكن ما لم نكن نتوقعه أن تأتي هذه الاجراءات كافة على حساب المواطنين وبهذه الطريقة التي من المتوقع أن يذهب اليها قانون الضريبة الجديد حسب التسريبات التي نشرتها "الغد" مؤخرا وعرضت النص الكامل لرسالة النوايا الصادرة رسميا عن وزارة المالية والبنك المركزي والتي بموجبها تعهدت الحكومة بتخفيض الإعفاءات الضريبية للنصف، حيث إن دخل الفرد الذي تستهدفه الضريبة وفق رسالة النوايا سيكون 6000 دينار فما فوق، ودخل الاسرة 12 الفا فما فوق.
هذا النهج ليس بالجديد ولقد تعود الأردنيون على فصول مختلفة من الأعباء الضريبية وكنا الى وقت قريب نردد الفرضية الاقتصادية التي تقول إن اكثر الدول معافاة سياسيا واقتصاديا هي التي تعتمد على جيوب مواطنيها، ولكن التراكم الأحادي من الاعتماد على جيوب المواطنين بدون إصلاحات أخرى وأهمها ما يتعلق بمنظومات الكفاءة والفعالية والنزاهة في المالية العامة سيجعل هذه السياسات جبائية بالمعنيين السياسي والاجتماعي، وهذا ما يحدث بالفعل وتحديدا في السنوات الخمس الاخيرة.
إن التعديلات المقترحة على قانون الضريبة تضرب بشكل مباشر الفئة الدنيا من الطبقة الوسطى حيث يشكل دخل الأسر في المتوسط مجموع دخول فرد إلى ثلاثة أفراد على الاكثر بالحد الادنى من الأجور فيما يرتفع معدل الإعالة في هذه الأسر نتيجة ارتفاع معدلات الخصوبة وزيادة البطالة والأفراد في سن التعليم والعمل، وللأسف فهذه الفئة أصبحت هي المجتمع، وتشكل قاعدة الهرم السكاني العريضة.
تصبح الطبقة الوسطى مصدرا للتهديد ليس بفعل ذاتي بل بسبب السياسات التي توجه لها، وأهمها المزيد من الضغوط الاقتصادية التي تكبلها بالديون والضرائب والمزيد من تضييق الفرص والحد من سقف الطموح أمام ابنائها وفئاتها الجديدة، ما يزيد الشعور بين افرادها بأن ثمة طرقا أسهل وأسرع لتحقيق الذات، ومتاحة بعيدا عن سلطة القانون والأخلاق، في الوقت الذي تتضخم فيه النزعة الاستهلاكية بين أفرادها وتتراجع فيه القدرة على الادخار وتخلط الاولويات؛ وعلى سبيل المثال يتآكل الانفاق العام على التعليم بينما تتصاعد النزعة الاستهلاكية بدون ارصدة حقيقية. هذا التشوه يقود الى تنامي اخلاق جديدة وسط فئات هذه الطبقة أهم ملامحها تآكل الرأس مال الاجتماعي، تراجع الثقة العامة، ارتفاع كلفة الائتمان في المعاملات المالية، ازدياد الجرائم الاقتصادية فيما تزدهر الانشطة الاقتصادية غير المنظمة القائمة على الشطارة والفهلوة والتهرب الضريبي. إن ما يدفعه المجتمع والدولة من أثمان جراء السياسات التي تسهم في تهشيم الطبقة الوسطى أكبر بكثير مما قد تحققه هذه السياسات من مصالح آنية.
الخطير أن هذه التحولات لا يُلمَس أثرها على المستوى الاجتماعي مباشرة، بل تتفاقم حتى تنفجر على المدى المتوسط وتتحول الى كارثة، رغم أنه من السهل مراقبتها في الحياة اليومية، وفي تسلل مؤشرات الرداءة إلى حياة الناس، لكن من يصنع القرار في الأغلب لا يعلم شيئا عن الحياة اليومية للناس ولا يعيشها.

التعليق